ذهب الألوسي إلى أن الإبهام الذي في قوله تعالى: (بل كان الله بما تعملون خبيرًا) أوضح في الآية التي تليها ما هو هذا الذي كانوا يعملونه؟ وما هو الذي كان الله به خبيرًا؟ فقال: (( بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا ) ).
أي: لن يرجع من ذلك السفر.
قوله: (الرسول والمؤمنون إلى أهليهم) أي: لن يرجعوا إلى عشائرهم وأقربائهم أبدًا؛ لأنه سيستأصله المشركون بالمرة، أي: أفحسبتم أنكم إن كنتم معهم فسيصيبكم ما يصيبهم؛ فلأجل ذلك تخلفتم لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة.
والأهلون: جمع أهل، وهو ملحق بجمع المذكر السالم؛ لأنه ليس بعلم ولا صفة من صفات من يعقل، والشاهد من الألفية: وارفع بواو وبيا اجرر وانصب سالم جمع عامر ومذنب وشبه ذين وبه عشرونا وبابه ألحق والأهلونا فهو ملحق بجمع المذكر السالم.
وهنا فرصة لأن نتكلم عن أهمية اللغة العربية، فاللغة العربية في خطر شديد، والاهتمام باللغة العربية أمر واجب مقدس؛ لأنه لا إسلام بدون اللغة العربية، ولا عربية بلا إسلام.
فالذي نريد أن نقوله: إن الفهم للغة العربية مهم جدًا، إذا قرأ الإنسان في كتب أهل العلم فإذا صار ينصب الفاعل أو يجر المفعول فإنه يفقد الثقة، وأنا عن نفسي الثقة تهتز عندي تمامًا، فأقول: لو أن طالب العلم يستطيع أن يضبط الفعل والفاعل والجار والمجرور فسيستطيع أن يضبط الأحكام الشرعية، ويفهم النصوص حق فهمها، خاصة أن الإنسان إذا كان يسيء تطبيق قواعد اللغة العربية، فبالتالي سيسيء فهم الكلام؛ لأن الإعراب له أهمية قصوى في فهم كلام الناس، فقد يقع في ظلم بسبب عدم الفهم، وأنا أذكر لكم مثالًا لهذا الظلم: أحد إخواننا الأفاضل السلفيين ألف كتابًا اسمه: الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة، فهذا الأخ الفاضل لما أتى يتكلم على الجماعات تكلم على الإخوان، وذكر الشيخ سيد قطب رحمه الله تعالى فقال هذه العبارة: وقد تنكر -يعني: صاحب الظلال- لعقيدة أهل السنة عندما فسر قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22 - 23] فقال: إذًا فقد كان ضائعًا ذلك الجدل الطويل المديد الذي شغل به المعتزلة أنفسهم ومعارضيهم من أهل السنة والمتكلمين حول حقيقة النظر والرؤية في مثل ذلك المقام.
فأنا أسأله الآن -وانتبهوا-: من الذين يذمهم الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى هنا في هذا السياق؟ هل هو يذم المعتزلة فقط أم أنه يذم المعتزلة وأهل السنة أيضًا؟ هو يذم المعتزلة، فهذا خلاصة الكلام، وليست الجناية أنه قد أخطأ في فهم كلام الأستاذ سيد قطب رحمه الله، الجناية أنك عندما تعرض سياق ظلال القرآن تجد أن السياق ليس فيه نفي للرؤية أبدًا، بل إنه يثبت الرؤية، ولكن الإنسان عندما يتعصب يغلط الناس: فرصاص من أحببته ذهب وذهب من لم ترض عنه رصاص فقد يدخل الهوى الإنسان الذي يتعصب في حكمه على الشخص، ويتمنى له الغلط كما يقولون، فهنا انظر هو يقول: فقد كان ضائعًا ذلك الجدل الطويل المديد الذي شغل به المعتزلة أنفسهم ومعارضيهم، فهو هنا يذم المعتزلة فقط، ولا يهاجم أهل السنة، بل يقول: إن المعتزلة فتحوا بابًا للجدل شغلوا به أنفسهم عن العلم النافع، وشغلوا أيضًا معارضيهم من أهل السنة الذين اضطروا أن يعارضوهم ويردوا عليهم ويبطلوا مذهبهم.
فهذا الأخ -سامحه الله- يرد على هذه الفقرة ويقول: من هذا القول يتضح أن سيد قطب لا يعتقد في هذه المسألة.
وهذا لحن آخر، يعني: أنت لا تعرف كيف تضبط الفاعل والمفعول وتهاجم الناس على نواياك وفهمك! فأنت لا تهاجم الناس إلا وأنت متقن على الأقل لأساسيات اللغة العربية، فهو يقول: من هذا القول يتضح لنا أن سيد قطب لا يعتقد في هذه المسألة عقيدة أهل السنة فضلًا عن المعتزلة، يعني: فهو في منزلة بين المنزلتين، فهذا سوء فهم منك أنت، فلا شك أن هذا ظلم واضح بين، فلو أنك راجعت الظلال الجزء 8 صفحة 382 لاتضح لك تمامًا أنه رحمه الله تعالى يثبت الرؤية، ويعتقد فيها عقيدة السلف الصالح.
فهذا المنتقد بسبب قلة علمه بأولويات قواعد النحو قد وقع في ظلم هذا الرجل، ويريد أن يلتقط منه هذا الكلام الطلبة الصغار فيظللوا غيرهم، ومنهم من يكفر، أو يبدع أو يشتم وغير ذلك من الأشياء التي نراها.
فهذه وقفة عابرة استطرادية لبيان أهمية إتقان اللغة العربية جيدًا؛ لأن من لحن في مثل هذه الأمور البسيطة فإنه تفقد الثقة في كلامه؛ لأنه إذا كان لا يعرف بدهيات اللغة العربية وأولويات النحو؛ فلا يجوز له أن يتكلم في الشرع؛ لأنه سوف يفتري على الله الكذب حين يفهم الآيات والأحاديث فهمًا معوجًا؛ لأن النحو تفسير في غاية الخطورة على فهم النصوص، وهذا موضوع طويل لا نطيل فيه أكثر من هذا.