من المعلوم أن باب التوبة مفتوح، والتوبة لها أجلان، أجل في حق عمر كل إنسان، وأجل في حق عمر الدنيا كلها، ففيما يتعلق بحق كل عبد تقبل توبته ما لم يغرغر؛ لقول النبي عليه الصلاة السلام: (تقبل توبة العبد ما لم يغرغر) ، يعني: مالم يحضره الموت.
وأما بالنسبة لعمر الدنيا فباب التوبة مفتوح مالم تطلع الشمس من مغربها.
فهذا الإنسان الذي ارتكب الكفر، أو المعاصي التي تستوجب اللعن هو يستحق بنص هذه الآيات والأحاديث الوعيد المذكور فيها، لكن لا يعيَّن هذا الشخص كما قلنا، فالشخص المعين -وكلامنا الآن في حق المسلم العاصي الذي فعل شيئًا من الكبائر التي تستوجب اللعنة- لا يلعن باسمه، فلا تقل للمرأة التي تنمصت: لعن الله فلانة بنت فلانة باسمها، أو هذه ملعونة؛ لأنها متنمصة مثلًا، لكننا في مقام الزجر وفي مقام الدعوة والخطابة نستعمل النصوص بعمومها فنقول: لعن الله تارك الصلاة، ولعن الله النامصة، ولعن الله المتبرجة، وأما نفس الشخص فلا يحكم عليه باللعن؛ لأنه لا بد له من توفر الأسباب والشروط وانتفاء الموانع، فالشخص المعين الذي ارتكب شيئًا مما توعد عليه باللعن يمكن أن يكون مجتهدًا في هذا، فهو قد فعل هذا لكنه غير متعمِّد، فقد اجتهد فأخطأ مثلًا، فيغفر له اجتهاده، وقد يكون ممن لم تبلغه الأدلة أو النصوص التي تحرم هذا الفعل، فيعذر بجهله، وقد يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله سبحانه وتعالى مع قبح الفعل الذي فعل، كما غفر الله سبحانه وتعالى للرجل الذي قال: (إذا مت فاسحقوني ثم ذروني، فغفر الله له) ؛ لخشيته منه، فقد كان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته، أو شك في ذلك، ومع ذلك غفر الله له مع شناعة هذا الاعتقاد الكفري.
إذًا: فالنسبة لما يتعلق بالآخرة ينبغي أن نتوقف في حق المعين، فأمر الآخرة موكول إلى الله سبحانه وتعالى، لكن هل يمنعنا ذلك من إجراء الأحكام الظاهرة عليه في الدنيا؟ لا، فحتى الكافر إذا قلنا: إننا لا نقطع له بجنة ولا بنار مثلًا فهل معنى ذلك أننا لا نجري عليه أحكام الدنيا؟ لا، فهذا فقط في الآخرة، وأما في الدنيا فيعامل الناس بما يظهرونه، فيعامل معاملة الكافر.
وكذلك الرجل المبتدع، فإننا لا ندري حاله مع الله سبحانه وتعالى: هل له حسنات ستكفر عنه إثم هذه البدعة؟ وهل هو جاهل؟ وهل هو مجتهد مخطئ مثلًا؟ فالتوقف في أمر الآخرة لا ينبغي أن يمنعنا من أن نعاقبه في الدنيا؛ لنمنع بدعته وأن نستتيبه، وقد يكون القول في نفسه كفرًا، لكن الشخص الذي قاله لا يقطع بتكفيره كما قلنا مرارًا، ولا يكون ذلك إلا إذا صار منافقًا زنديقًا.
وقد صنف الله سبحانه وتعالى الخلق في كتابه ثلاثة أصناف: كفار من المشركين ومن أهل الكتاب، وهم الذين لا يقرون بالشهادة، وصنف هم المؤمنون باطنًا وظاهرًا، وصنف أقروا ظاهرًا لا باطنًا، وهم المنافقون والزنادقة.
فهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة، وكل من ثبت أنه كافر في نفس الأمر وكان مقرًا بالشهادتين، فإنه لا يكون إلا زنديقًا، والزنديق هو المنافق.
فقد يظهر الشخص الشهادتين ومع ذلك يكون كافرًا؛ لأنه يظهر الإسلام في الظاهر وهو يبطن الكفر، فهذا صنف من أصناف الكفار.
وقد يقترف الشخص كبيرة تستوجب اللعن، لكن قد يقترن بهذه الكبيرة من الحياء من الله سبحانه وتعالى والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، فهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، فالفعل واحد لكن هناك أحوال قلبية تقترن به هي التي إما أن تصعد به إلى مقام الكبيرة، وإما أن تنزل بالكبيرة إلى مقام الصغيرة، وهذا أيضًا مما لا سبيل إلى الإطلاع إليه.
وكذلك قد يعفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره، فالشخص الذي عمل أعمالًا حسنة كثيرة جدًا قد يعفى عنه إذا أخطأ أو ارتكب إثمًا ما لا يعفى لغيره، ففاعل السيئات قد تسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة؛ لذلك نقول: لا تقل: أنتِ ملعونة لأنك متبرجة، لكن يجوز أن يقال لها: لعن الله المتبرجة، بصيغة عامة هكذا؛ لأنك لا تعلم عاقبتها وخاتمتها، ولا تدري حالها مع الله سبحانه وتعالى، ولا تدري ما في قلبها مما يقترن بهذه المعصية من الأحوال القلبية التي أشرنا إليها.
فإن الإنسان حتى لو ارتكب السيئة فإنه ظاهرًا يستحق عذاب جهنم، لكن لا يشترط في ثبوت الوعيد لمن فعل كذا أن يتحقق هذا الوعيد لذلك الشخص، بل قد توجد أسباب تسقط عنه عقوبة جهنم منها مثلًا: التوبة، فالتوبة قد تكون بينه وبين الله ولا يحس بها الخلق، وكذلك الاستغفار، قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33] .
فربما كان يستغفر من هذا الذنب.
وكذلك من هذه الأسباب الماحية: الحسنات، أي: أن يعمل أعمالًا صالحة بعد ارتكابه للمعصية، فمجرد الاستقامة تمحو السيئات الماضية، قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] ، وقال عليه الصلاة والسلام: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) .
وكذلك المصائب الدنيوية، كأن يبتلى هذا الشخص بمصائب تكفر عنه وتحط عنه وزر المعصية التي ارتكبها، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولا غم ولا هم ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه) .
إذًا: فالمصائب الدنيوية من كفارات الخطايا، إذا صبر عليها.
ومن هذه الأسباب أيضًا: أن يعذب الإنسان في القبر بقدر يستوفي ما عليه من هذه المعصية، فلا يعاقب عليها في نار جهنم في الآخرة.
ومن هذه الأسباب التي تسقط العقوبة عن العبد حتى وإن استحق جهنم بسبب الذنب: دعاء المؤمنين واستغفارهم له في الحياة وبعد الممات، فقد يستغفر له إخوانه في الله، أو أولاده، أو أقرباؤه، أو الناس الصالحون ويدعون له فيستجاب دعاؤهم، يسقط عنه استحقاق العقوبة، مع أنه داخل تحت هذا الوعيد، لكن عفا الله عنه بسبب استغفار المؤمنين له.
وكذلك من هذه الأسباب: ما يُهدى إليه بعد الموت من أعمال صالحة، كأن يتصدق عنه، أو يحج عنه ويعتمر، فهذا يصله ثوابه في القبر، وربما كان سببًا في تكفير ما استحق من العذاب في جهنم.
ومن المكفرات أيضًا: معاناة أهوال يوم القيامة وشدائده، فالأهوال التي تكون يوم القيامة هي في حد ذاتها مكفِّرة، فربما أيضًا تسقط عنه العقوبة في جهنم بسبب معاناة مشاق يوم القيامة وشدائده.
ومن أسباب سقوط عقوبة جهنم أيضًا: ما ثبت في الصحيحين من أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض في مظالم يبنهم في الدنيا لم تستوف، ففي هذه الحالة بعدما يجوزون على الصراط لا يمكن أن يدخل الجنة أبدًا مؤمنان وبينهما ضغينة، فالجنة لا يدخلها أحد أبدًا وفي قلبه ضغينة كما قال الله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} [الأعراف:43] ، وليس هناك غلّ على الإطلاق، ولذلك جاء في الحديث في وصف أهل الجنة: (قلوبهم على قلب رجل واحد) ، فهم إخوة متحابون فلا هناك ضغائن ولا تحاسد ولا أحقاد على الإطلاق، وما كان بينهم من مظالم في الدنيا فإنهم يحبسون بسببها بعد المرور على الصراط على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، (فإذا هذبوا ونقّوا أذن لهم في دخول الجنة) ، وذلك مصداق قول الله تعالى: {طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر:73] فـ (طبتم) من التطييب والتطهير، فيقتص منهم أولًا قبل الدخول إلى الجنة؛ حتى يدخلوا مهذبين منقين من كل ما لا يُرتضى.
ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة) ، فهذا الوقوف على هذه القنطرة سبب من أسباب سقوط العقوبة.
ومن أسباب سقوط عقوبة جهنم عن العاصي: شفاعة الشافعين من الأنبياء وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو شفاعة الصالحين من المؤمنين، أو شفاعة الملائكة.
وكذلك من أعظم أسباب سقوط عذاب جهنم عن العاصي: عفو أرحم الراحمين من غير شفاعة، فرحمة الله سبحانه وتعالى هي أعظم أمل للعصاة والمذنبين، فيرحم الله سبحانه وتعالى العبد بمشيئته وفضله تكرمًا منه بغير شفاعة ولا سبب من هذه الأسباب التي ذكرنا.
إذًا: فهذه جملة من الأشياء تدل على أنه قد يسقط عن فاعل السيئات عقوبة جهنم، وقد عُرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة.