وهنا نتوقف قليلًا -قبل أن نستطرد في ذكر بقية كلام الشوكاني رحمه الله تعالى- ونتعرض لشبه قد يقولها بعض الناس، وقد يطالعها بعض الإخوة في كتب التفسير: فإن الملاحظ أن بعض العلماء ذكروا عن بعض العرب الاقتصار على حرف أو حروف من الكلمة التي يريدون النطق بها، وهذا هو الذي دفع بعض الناس إلى أن يقولوا: إن هذا أسلوب -أي: فواتح السور- كان للعرب عهد به من قبل، فالقرآن خاطبهم بنفس العهد، ومن ثم بدءوا يقولون: إن هذه الحروف هي عبارة عن حرف من كلمة حذف باقيها، يستشهدون بقول شعراء العرب مثلًا: (فقلت لها قفي فقالت قاف) أي: وقفت، فاقتصر على التعبير عن كلمة (وقفت) بحرف قاف.
وقال زهير: بالخير خيرات وإن شرًا فا ولا أريد الشر إلا أن تا (بالخير خيرات) يعني: أجزيك بالخير خيرات (وإن شرًا فا) بألف يعني: فشر، فحذف كلمة فشر أو اقتصر منها على حرف الفاء فقط ومده.
(ولا أريد الشر إلا أن تا) يعني: إلا أنت تشاء، فاختصر كلمة تشاء إلى حرف التاء.
وقال آخر: نادوهم ألا الجموا ألا تا قالوا جميعًا كلهم ألا فا (نادوهم ألا الجموا ألا تا) يعني: ألا تركبون، فاقتصر من كلمة تركبون على حرف التاء.
(قالوا جميعًا كلهم ألا فا) يعني: فاركبوا.
وكما قيل أيضًا: (كفى بالسيف شا) ، يعني: شافيًا أو شاهدًا.
ويبرزون في هذا حديثًا ضعيفًا، وينسبونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح: (من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوبًا بين عينيه: آيس من رحمة الله) ، لكن من ناحية اللغة قد يعتبره العلماء شاهدًا بفرض صحته، على أساس أن الإنسان يعين على قتل أخيه بقوله: اقـ، بدل كلمة اقتل، فهي من هذا الباب.
فعلى أساس هذا الاستعمال العربي ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الأسلوب في القرآن الكريم أسلوب معهود من ذي قبل، وممن انتصر لذلك الشيخ أبو الأعلى المودودي رحمه الله تعالى، فقد ذهب إلى أن هذه الحروف كانت شائعة الاستعمال في الأدب العربي في الحقبة التي نزل فيها القرآن، وقد استخدمها الشعراء والكتاب على السواء، ولأن معناها كان مفهومًا لديهم آنذاك لم يعترض عليه أحد قط، أي: لا أحد من الصحابة ولا من العرب اعترض على وجود هذه الحروف في أوائل السور، بل لم يستفهموا عنها ولا عن استعمالها إذ لم تكن عندهم ألغازًا ولا طلاسم يلزم حلها وتفسيرها.