السؤالجاء في بعض الجرائد أن الدكتور مصطفى محمود أنكر أحاديث الشفاعة، وقال: إن أحاديث الشفاعة غير صحيحة! فما قولكم؟
الجوابالجواب عن مثل هذا إذا صح أنه فعلًا قال هذا، أن نتذكر حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه سلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله) ، وهذا هو الشاهد الذي أتمثل به، وإن كان المقصود به طاعة أولي الأمر، لكن سأتمثل هذا وأجتزئ بهذا الشاهد: (وعلى أن لا ننازع الأمر أهله) ، هل هناك أحد يعجز عن الدعوى؟ هل أحد يعجز بلسانه أن يتكلم ويقول أي كلام يريد أن يقوله؟ لكن العبرة هل الذي يتكلم هو من أهل العلم أم ليس من أهل العلم؟ فما دام إنسانًا ليس من أهل العلم لا ينبغي له أن يتطفل على مائدة العلماء، وهل كل من يتكلم يستحق أن يرد عليه؟ يقول بعض العلماء: إذا سكت من لا يعلم قل الخلاف، فالمفروض أن نقول كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: ما خان أمين قط، ولكن اؤتمن غير أمين فخان.
فبنفس المعنى نستطيع أن نعمم ونقول: ما ابتدع عالم قط، ولكن استفتي غير عالم فأضل الناس.
فالضلال والانحراف لا يأتي أبدًا من عالم متحقق بعلمه الذي يجمع بين العلم والخوف من الله سبحانه وتعالى، ولا يوجد أحد أبدًا إذا كان ابنه الطفل الصغير مريضًا أنه يذهب به عند السمكري، لا يوجد أحد أبدًا يريد أن يصلح مثلًا جهازًا كهربائيًا ويأتي به للدكتور الجراح، لا، فنحن نحترم الثقافة جدًا، ولو أحد أحب أن يأتي لابنه بمدرس خصوصي فإنه ينتقي أحسن مدرس، ويتحرى ويسأل عن كذا وكذا لكن لماذا الدين بالذات هان علينا، وكل واحد منا يعتبر نفسه شيخ الإسلام؟! إذا فتحت قضية الدين أمام أستاذ في كلية الهندسة أو في كذا من التخصصات، أو شخص يبيع خضارًا وبطاطس وطماطم، أو شخص قاعد على شرب القهوة أو كذا أو كذا ممن لا حظ لهم على الإطلاق في العلم؛ فإنه يعطي نفسه الحق في أن يتكلم ويفتي ويجادل ويناقش ويخطئ العلماء أيضًا ويسفههم! هذه مسألة مبدأ: هل هذا من أهل العلم؟ هذا ليس من أهل العلم على الإطلاق، فنحن لا نريد أن نخوض في الكلام على هؤلاء الناس، لكن نقول: من أنت؟ كما قال الشاعر: يقولون هذا عندنا غير جائزٍ فمن أنتم حتى يكون لكم عند يقول لك: أنا عندي وفي رأيي وأنا أرى كذا وكذا فمن أنتم حتى يكون لكم عند؟! فيأتي رجل في هذا الزمان المتأخر وينكر أحاديث الشفاعة، من أنت أصلًا حتى تنكر أحاديث الشفاعة؟! أحاديث الشفاعة متواترة يعني: ثابتة بنفس الطريقة التي ثبت بها القرآن الكريم، فأحاديث الشفاعة متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فسواء تكلم فلان أو علان فنحن لا نأبه بمثل هذا، ولا نتكلف الرد عليه؛ لأننا لابد أن نرسي هذا المبدأ، من الذي يتكلم؟ هل هو إنسان مشهود له بالعلم؟ والعبرة بأن يكون مشهودًا له بالعلم بين العلماء، وليس بين عوام الناس الذين لا يحسنون ميزان الأشخاص، فلا نبالي سواء أنكر الأحاديث الواردة في الشفاعة أو غيرها، وإنكارها من صفات الخوارج والمعتزلة، فهم الذين أنكروا أحاديث الشفاعة، وهكذا شخص آخر ينكر رؤية الله في الآخرة وآخر ينكر أحاديث المعراج وآخر ينكر انشقاق القمر!! هذه فوضى، ولا يحسم هذه الفوضى إلا أن يكون هناك عالم وجاهل، هناك صغير وكبير، وأنا استمعت اليوم في نشرة الأخبار إلى شيء لفت نظري جدًا، وفيه علاقة ضعيفة بما نتكلم فيه، يقولون: إن آخر أسلوب لجأ إليه الوحوش الصرب في كوسوفو أنهم يدخلون القرية أو المدينة فيلاقون وجهاء الناس الكبراء من أعمدة الاقتصاد أعمدة الطب مدراء المستشفيات الأطباء المثقفين وكذا وكذا، فيأخذونهم ويرحلونهم إلى الحدود، فيصيرون لاجئين، فإذا أراد قوم تشتيت قوم وإذهاب شوكتهم يفعلون هكذا، قال الشاعر الجاهلي: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا لأنه إذا غاب هؤلاء الكبار سيصبح الناس في فوضى، وهذا أسلوب من أساليب القتل المعنوي، إضافة إلى المذابح الدموية التي يفعلونها.
فتغييب العقول الواعية من أهل العلم والتخصص يجعل الأمر نهبًا لكل من أراد أن يفتي في الدين، وينكر ما ينكر، ويكذب بما شاء أن يكذب، فتتحول الأمور فوضى، فهذه صورة من صور القتل المعنوي، أننا نستفتي أناسًا ليسوا من أهل العلم، لنا أن ندخلهم تحت مصطلح: المثقفين طلبة علم سمهم بما شئت، لكن أن يصدر هؤلاء على أنهم علماء فهذا لا ينبغي أبدًا.