فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 3275

تفسير قوله تعالى:(زين للذين كفروا الحياة الدنيا)

قال عز وجل: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [البقرة:212] ، الذين كفروا: سواء من أهل مكة أو غيرها (الحياة الدنيا) أي: لزخارفها الظاهرة بالتمويه، فأحبوها لهذه الزينة الظاهرة.

(ويسخرون من الذين آمنوا) أي: وهم يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم كـ بلال وعمار وصهيب، فيستهزئون بهم ويتعالون عليهم بالمال.

يقول الحرابي: ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر بالله، واستحباب زينة الدنيا نوع من أنواع الكفر؛ لقوله قبل ذلك قال: (ومن يبدل نعمة الله) يعني: كفرًا (من بعد ما جاءته) ، ثم قال هنا: (زين للذين كفروا) فالافتتان بزينة الدنيا من خصال الكفار، حيث أن نظر العقل والإيمان يبصر غايتها، ويشهد جيفتها، فلا يغتر بزينتها، وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحق.

(ويسخرون من الذين آمنوا) يهزءون منهم كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين:29 - 30] ، إلى آخر الآيات.

ثم يقول تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة:212] (الذين اتقوا) : وهم المؤمنون، وإنما ذكروا بعنوان التقوى؛ لحضهم عليها، وإيذانًا بترقب الحكم عليه، فلم يقل: والذين آمنوا، لكن قال: (الذين اتقوا) حتى يلفت نظر المؤمنين إلى أنهم إنما نالوا ذلك بصفة التقوى.

(والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) يقول: (والذين اتقوا) الشرك، وهم هؤلاء الفقراء.

(فوقهم يوم القيامة) أي: أنهم في عليين وهؤلاء في أسفل سافلين، أو: لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا، كما في قوله تعالى: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود:38] ، وقال تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} [المطففين:22 - 23] ، فالمهم أن المؤمنين يضحكون أخيرًا، ولذلك قال بعض العلماء: يحتمل قوله تعالى: {فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة:212] وجهين: الأول: أن حال المؤمنين في الآخرة أعلى من حال الكفار في الدنيا.

الثاني: أن المؤمنين في الآخرة هم في الغرفات، والكفار في الدرك الأسفل من النار.

ثم قال تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة:212] ، والمقصود: رزقًا واسعًا رغدًا لا فناء له ولا انقطاع كقوله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر:40] ، فإن كل ما دخل تحت الحساب والحق والتقدير فهو مُتناهٍ، وما لا يكون متناهيًا كان لا محالة خارجًا عن الحساب، فهو ثواب إلى ما لا نهاية؛ لأنه إذا دخل في الحساب صار محصورًا معدودًا، أما إذا كان بغير حساب فلا نهاية له ولا حصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت