فهرس الكتاب

الصفحة 2307 من 3275

فجعل الله سبحانه وتعالى في هذه الدار أشياء كثيرة تذكر بدار الغيب المؤجلة الباقية، منها أمور تتعلق بالزمان أو بالمكان، أما الأماكن فخلق الله سبحانه وتعالى في بعض البلدان من المطاعم والمشارب والملابس وغير ذلك من نعيم الدنيا ما يذكر بنعيم الجنة، وأما الأزمان فكزمن الربيع الذي يذكر طيبه ورونقه بنعيم الجنة وطيبها، فيقول ابن سمعون في وصف الربيع: أرضه حرير، وأنفاسه عبير، وأوقاته كلها وعظ وتذكير وكان بعض السلف يخرج في أيام الرياحين والفواكه في الربيع إلى السوق فيقف وينظر ويعتبر ويسأل الله الجنة.

ومر سعيد بن جبير بشباب من أبناء الملوك في مجالسهم في زينتهم، فسلم عليهم؛ فلما بعد عنهم بكى واشتد بكاؤه وقال: ذكرني هؤلاء بشباب أهل الجنة.

وتزوج صلة بن أشيم بـ معاذة العدوية وكان من كبار الصالحين فأدخله ابن أخيه الحمام، ثم أدخله على زوجته في بيت مطيب فقاما يصليان إلى الصباح، فسأل ابن أخيه عن حاله فقال: أدخلتني بالأمس بيتًا أذكرتني به النار -يعني: الحمام- حيث الماء والبخار، وأدخلتني الليلة بيتًا أذكرتني به الجنة، فلم يزل فكري في الجنة والنار إلى الصباح! ودعا عبد الواحد بن زيد إخوانه إلى طعام صنعه لهم، فقام على رءوسهم عتبة الغلام يخدمهم وهو قائم وهم يأكلون، فجعلت عيناه تهملان! فسأله عبد الواحد عن سبب بكائه؟ فقال: ذكرت موائد أهل الجنة إذا أكلوا وقام الولدان على رءوسهم.

الدنيا مرآة ننظر بها إلى الآخرة لا لننظر إليها ونتوقف عندها، فالمرآة آلة لا يُنظر إليها نفسها، ولكن ينظر المرء إلى ما يرى من خلال هذه المرآة.

فهذا هو الوضع الملائم لحكمة خلقنا في الدنيا من نعيم أو من عذاب، أن تكون تذكرة لنا بدار الآخرة، يقول الشاعر: كفى حزنًا أن لا أعاين بقعة من الأرض إلا ازددت شوقًا إليكمُ وأني متى ما طاب لي خصب عيشة تذكرت أيامًا مضت لي لديكمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت