وما يأتيهم من نبي)
قال تعالى: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا} [الزخرف:6 - 8] أي: قوة، {وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ} [الزخرف:8] أي: سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصصهم وحالهم مع تكذيبهم وتعذيبهم وما مثلناه لهم، وهذا هو الذي اختاره القاسمي.
والمقصود من ذلك أن يتوقع هؤلاء المستهزئون من العقوبة مثل ما حل بسلفهم الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ} .
قال الألوسي: الضمير في قوله: (أشد منهم) عائد إلى القوم المسرفين المخاطبين في قوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} ، وفيه ما يسميه علماء البلاغة: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
وقوله: (أشد منهم) مفعول به لأهلكنا، لكن الأصل أن (أشد) نعت لمحذوف؛ لأن المفعول محذوف تقديره: أهلكنا قومًا أشد منهم بطشًا، على حسب قوله في الخلاصة: وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفي النعت يقل فهنا حذف المنعوت لوضوح النعت، وعلى هذا فقوله: (( فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا ) )يعني: فأهلكنا قومًا أشد منهم بطشًا، والبطش أصله: الأخذ بعنف وشدة، والمعنى: فأهلكنا قومًا أشد بطشًا من كفار مكة الذين كذبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ بسبب تكذيبهم رسلهم، فليحذر الكفار الذين كذبوك أن نهلكهم بسبب ذلك كما أهلكنا الذين كانوا أشد منهم بطشًا، أي: كانوا أكثر منهم عَددًا وعُددًا وجلدًا، فعلى الأضعف الأقل أن يتعظ بالأقوى الأكثر.
وقوله تعالى: (( وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ ) )أي: صفتهم التي هي إهلاكهم المستأصل بسبب تكذيبهم الرسل، وقول من قال: (مثل الأولين) أي: عقوبتهم وسنتهم راجع إلى ذلك المعنى.