فهرس الكتاب

الصفحة 802 من 3275

ولقد التزم الصحابة هذا الأدب حتى كانوا ما يكادون يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، لكن كانوا يفرحون إذا أتى رجل من أهل البادية فيسأله ويسمعون الجواب فيستفيدون، فقد أخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: (كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، وكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع) ، وفي قصة اللعان من حديث ابن عمر (فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها) .

ولـ مسلم عن النواس بن سمعان قال: (أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة بالمدينة، ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم) .

يعني: أنه قدم المدينة وافدًا، فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل؛ لأنه ما دام بصفة الوافد فقد كان له رخصة وسعة في أن يسأل؛ لأنه وافد، بمعنى أنه يقدم مدة يسيرة ثم يغادر بعدها، فحرص على أن يستبقي صفة الوافد لا صفة المقيم؛ لأنه إذا كان من المقيمين جرى عليه الأصل، وهو أنه لا يسأل.

فهو يقول: (أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم سنة بالمدينة، ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة) أي: ما يمنعني من اتخاذ المدينة مهاجرًا ووطنًا للإقامة إلا المسألة، فظل ماكثًا بصفة أنه وافد، وليس مقيمًا مهاجرًا، يقول: (ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة) أي: الحرص على أن أسأله (كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم) .

ومراده أنه قدم وافدًا، فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل خشية أن يخرج من صفة الوافد، إلى استمرار الإقامة فيصير مهاجرًا فيمتنع عليه السؤال.

وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب وفودًا كانوا أو غيرهم، فقوله تعالى هنا: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) )، المقصود به المهاجرون.

وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: (لما نزلت(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ) )-إلى آخر الآية- قال: كنا قد انتهينا أن نسأله صلى الله عليه وسلم، فأتينا أعرابيًا فرشوناه برداء، وقلنا: سل النبي صلى الله عليه وسلم!) وهذه الرشوة ليست على ظاهرها، وليست هي الرشوة المحرمة، وإنما أهدوا له الهدية استعطافًا ثم قالوا: اذهب واسأل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا السؤال.

ولـ أبي يعلى عن البراء: (إن كان ليأتي عليّ السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشيء فأتهيب، وإن كنا لنتمنى الأعراب -أي: قدوم الأعراب- ليسألوه) فإذ سأل الأعرابي سمع الصحابة أجوبة سؤالات الأعرابي فيستفيدون منها.

وأما ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة رضي الله عنهم فيحتمل أن يكون قبل نزول الآية، ويحتمل أن النهي في الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرر حكمه، أو ما لهم بمعرفته حاجة راهنة، كالسؤال عن الذبح بالقصب، والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء إذا أمروا بغير الطاعة، والسؤال عن أحوال يوم القيامة، وما قبلها من الملاحم والفتن، والأسئلة التي في القرآن، كسؤالهم عن الكلالة، والخمر، والميسر، والقتال في الشهر الحرام، واليتامى، والمحيض، والنساء، والصيد، وغير ذلك.

وعن ابن عمر قال: (لا تسألوا عما لم يكن؛ فإني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن) ، وعن عمر أنه قال: (أحرج عليكم أن تسألوا عما لم يكن؛ فإن لنا فيما كان شغلًا) يعني: لا تكثروا الافتراضات؛ فإن ما نزل وما علمنا يشغلنا عن الاشتغال بالافتراضات.

وعن زيد بن ثابت: (أنه كان إذا سئل عن الشيء يقول: هل كان هذا؟ فإن قيل: لا قال: دعوه حتى يكون) .

وعن أبي سلمة ومعاذ مرفوعًا: (لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها؛ فإنكم إن تفعلوا لم يزل في المسلمين من إذا قال سدد، وإن عجلتم تشتت بكم السبل) ، وهذا مرسل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت