فهرس الكتاب

الصفحة 726 من 3275

الأحكام التفصيلية في قوله تعالى:(وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله)

يقول تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة:43] .

قوله تعالى: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) هذا تعجبٌ من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه، مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدعون الإيمان به.

(وكيف يحكمونك) هذا التعجيب من شأن هؤلاء الناس، فهم يزعمون أنهم لا يؤمنون بالرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يؤمنون بقرآن، والحكم الذي يسألون عنه موجود ومنصوص عليه في كتبهم، ومع ذلك يأتون ليتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(وعندهم التوراة فيها حكم الله) يعني: في المسألة التي تحاكموا فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حكم الله حسب اعتقادهم أو بحسب الحقيقة، ووجود هذا الحكم الخاص فيها لا ينافي القول بوجود أشياء أخرى كثيرة محرفة.

وسماها التوراة إما باعتبار عرفهم أو باعتبار أصلها، فقال: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) يعني: باعتبار عرفهم أنهم يطلقون اسم التوراة على الكتاب الذي بين أيديهم، لكنها في الحقيقة ليست هي التوراة المضبوطة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام؛ لأنهم قد قاموا بالتحريف والتبديل، كما ذكر تعالى آنفًا فقال: (( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ) )فهذه سجية فيهم غير محدثة، وهذه حرفة يهودية قديمة، أي: التحريف والتبديل والتزوير كما بين الله تبارك وتعالى.

فتسميتها التوراة هنا إما باعتبار أصلها الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام، وإن كان مخالفًا لما بين أيديهم، أو باعتبار أنها التوراة في عرفهم ونظرهم، أو لاشتمالها على أشياء كثيرة من التوراة الحقيقية، ولولا ذلك لما صح أن تسمى بذلك، فلولا وجود بقية من الحق فيها لما صح أن تسمى التوراة، ونفس الشيء يقال في الإنجيل، مع اعتقاد تحريفهما وتبديلهما وعدم صحة كثير من أجزائهما.

(ثم يتولون من بعد ذلك) أي: من بعد البيان في التوراة، ومن بعد حكمك الموافق لما في التوراة (وما أولئك بالمؤمنين) يعني: بالتوراة، كما يزعمون.

قال الحاكم: وفي الآية دلالة على أنه لا يجوز طلب الرخصة بترك ما يعتقده حقًا إلى ما يعتقده غير حق.

وقوله: (ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين) يدل على أن التولي عن حكم الله يخرج المرء عن الإيمان، وإذا كره حكم الشرع وطلب حكم غيره فهل ذلك يخرجه عن حكم الإيمان؟ هذا ينبغي أن يفصل فيه، فيقال: إن اعتقد صحته أو رأى له مزية أو تعظيمًا أو استهان بحكم الإسلام فلا إشكال في كفره، وكأنه هنا يفصل ما سيأتي في الآية التالية في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ، فقوله تعالى: (ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين) فيه نفي الإيمان عمن يتولى عن حكم الله تبارك وتعالى.

فهنا بعض العلماء يفصل الكلام، فيقول: إن اعتقد -يعني هذا الشخص الذي يحكم بغير ما أنزل الله- صحة هذا الحكم الذي ينافي حكم الشريعة، أو رآه مساويًا لحكم الإسلام، أو أحسن من حكم الله، أو استهان بحكم الإسلام، فهذه الأحوال كلها لا إشكال في كفر فاعلها، ففي هذه الحالة لا إشكال فيه أنه كفر أكبر مخرج من الملة.

وإن لم يحصل منه ذلك، بل اعتقد أنه باطل خفيف، وكان معظمًا لشرع الإسلام، ولكن يميل إلى هوى نفسه، فهذا لا يكفر على الظاهر؛ إذ الكفر يحتاج إلى دليل قاطع، فإن كان يعظم شرع الله سبحانه وتعالى، ويقر بحكم الله، وأن هذه الأحكام الوضعية المخالفة للشريعة باطلة ووضيعة ونحو ذلك كذا وكذا لكنه يحكم بغير ما أنزل الله اتباعًا للهوى فهذا لا يكفر على الظاهر، وله نظير في أي معصية، كشرب الخمر مثلًا، فقد يكون رجل يشرب الخمر ويكون مسلمًا، ورجل لا يشرب الخمر ويكون كافرًا، فالذي يشرب الخمر وهو يعرف أنها حرام وأن القرآن أمر باجتنابها ويقر بحكم الله فيها، ويرى أنها أم الخبائث، لكن هواه يغلبه فيشرب الخمر هو فاسق وعاص، ولا يكفر بمجرد ذلك، لكن ينقص إيمانه، أما الذي يعتقد أن الخمر حلال وشيء مباح ويجحد حكم الله سبحانه وتعالى فيها فهو -قطعًا- كافر مرتد، حتى لو لم يشرب الخمر؛ لأن هذا يكفر بالاعتقاد القلبي، فهو بقلبه يعتقد تحليل ما حرم الله قطعًا، ولذلك يكفر بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت