فهرس الكتاب

الصفحة 2222 من 3275

قوله: (( وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ) )، أي: لا يعب بعضكم على بعض ولا يطعن فيه، وهذه عبارة عن بعض آخر من جنس المخاطبين وهم المؤمنون، فجعل ما هو من جنسهم بمنزلة أنفسهم.

وهذا ما نبهنا عليه مرارًا: أن الله سبحانه وتعالى يعبر عن الإخوة في الله بلفظ النفس، فإخوانك المؤمنون حتى وإن كانوا غير موجودين معك الآن فإنه يطلق عليهم لفظ (أنفسهم) .

فهذا له نظائر كثيرة في القرآن، منها: قول الله سبحانه وتعالى: {رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة:128] ، أي: منكم، وقال تبارك وتعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء:29] ، يعني: إخوانكم، كذلك هنا: (( وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ) )، أي: إخوانكم، وقوله تعالى: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور:12] يعني: بإخوانهم، فهذا مما يعبر به عن رابطة الأخوة في الله.

فقيل: إن معنى الآية: (( وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ) )لا تلمزوا إخوانكم المؤمنين، أو يكون المعنى: لا تفعلوا ما تلمزون به، فإن من فعل ما استحق به الذم فقد لمز نفسه، والمراد: لا ترتكبوا أمرًا تعابون به، وانتقد هذا الرأي بأنه بعيد من السياق، وغير مناسب لقوله تعالى: (( وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ ) )؛ لأن التنابز يكون من مجموعة لمجموعة أو شخص لشخص، فنسق الخطاب واحد، فأتت هذه الآية.

أي: ذكر الله تبارك وتعالى: (( وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ ) )، والأنسب للسياق أن يكون المعنى: لا تلمزوا إخوانكم ولا تنابزوا أيضًا فيما بينكم بالألقاب.

وقد يكون معنى قوله تعالى: (( وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ) )، أي: لا تتسببوا إلى الطعن فيكم بالطعن على غيركم، كما يقول بعض الناس: (من كان بيته من زجاج فلا يقذف الناس بالحجارة) ، وكما في الحديث: (من الكبائر أن يشتم الرجل والديه) ، فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه إذا شتم والدي غيره شتم الغير والديه أيضًا.

فالمقصود على هذا من قوله: (( وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ) )، أي: لا تلمزوا الناس فيلمزوكم فتكونوا في حكم من لمز نفسه؛ لأنكم الذين سلكتم هذا اللمز.

يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: (( وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ) )، أي: لا يلمز أحدكم أخاه، وقد توعد الله جل وعلا الذين يلمزون الناس في قوله: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة:1] ، والهمزة: كثير الهمز للناس، واللمزة: كثير اللمز.

قال بعض العلماء: الهمز يكون بالفعل، كالغمز بالعين احتقارًا وازدراءً، واللمز يكون باللسان فتدخل فيه الغيبة، وقد صرح الله تعالى بالنهي عن ذلك في قوله عز وجل: (( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) )، ونفر عنه غاية التنفير في قوله تعالى: (( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) )، فيجب على المسلم أن يتباعد كل التباعد من الوقوع في عرض أخيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت