ثم أشار تبارك وتعالى إلى حالة اليهود الذين كانوا لا يبالون بالتوراة ويحرفونها ويقتلون النبيين؛ لأنهم خالفوا ما أمرهم الله به في شأنها من الهداية بها وصونها عن التحريف، فقال عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] .
قوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً) أي: إرشاد للحق.
(ونور) أي: إظهار لما انبهم من الأحكام.
(يحكم بها النبيون) يعني: من بني إسرائيل؛ لأن كل نبي من قبل كان يبعث إلى قومه خاصة، ولم يبعث أحد إلى الناس عامة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان التبشير بالنصرانية بدعة مخترعة في النصرانية، فلا يوجد نص أبدًا في الإنجيل الذي بين أيديهم الآن يأمرهم بأن يدخلوا غير بني إسرائيل في النصرانية أبدًا، بل عندهم نصوص كثيرة في الإنجيل ينص فيها المسيح عليه السلام على أنه ما بعث إلا إلى بني إسرائيل الضالة، أو كما روي عنهم، كما قال عز وجل: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [آل عمران:49] .
أما موضوع التبشير فقد اخترعه بولس الخبيث بعد المسيح بمدة، حينما افترى وزعم أنه ظهر له في السماء من يناديه ويقول له: اذهبوا وادعوا جميع الأمم باسم كذا وكذا وكذا إلى آخره، فليس في النصرانية تبشير أصلًا أو دعوة للأمم الأخرى، وإنما هي دعوة خاصة ومحدودة لبني إسرائيل، وكذلك دعوة موسى عليه السلام، ولذلك نفسر قوله تعالى هنا: (( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ ) )أي: من بني إسرائيل؛ لأن هؤلاء الأنبياء الذين حكموا بالتوراة كانوا أنبياء بني إسرائيل فقط، قوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور يحكم بها النبيون) يعني: من بني إسرائيل (الذين أسلموا) أي: الذين كانوا مسلمين من لدن موسى إلى عيسى عليهما السلام، وسنذكر سر هذه الصفة.
(للذين هادوا) وهم اليهود؛ لأن (هاد) بمعنى: تاب ورجع إلى الحق.
فقوله: (للذين هادوا) أي: لا لمن يأتي بعدهم، ولم يختص بالحكم بها الأنبياء، بل: (يحكم بها الربانيون) أي: الزهاد العباد (والأحبار) أي: العلماء الفقهاء.
(بما استحفظوا من كتاب الله) أي: بسبب الذي استودعوه من كتاب الله أن يحفظوه من التغيير والتبديل، وأن يقضوا بالأحكام.
وفي قوله تعالى: (استحفظوا) الضمير هنا عائد للأنبياء والربانيين والأحبار جميعًا، ويكون الاستحفاظ من الله، أي: استحفظهم الله كتابه، بمعنى أن الله كلفهم بحفظ كتابه.
أو يكون الواو عائدًا على الربانيين والأحبار، ويكون الذين استحفظهم هم الأنبياء، (وكانوا عليه شهداء) يعني: رقباء يحمونه من أن يحوم حوله التغيير والتبديل بوجه من الوجوه، أو شهداء بأنه حق وصدق من عند الله، فمعلموا اليهود وعلماؤهم الصالحون لا يفتون ولا يقضون إلا بما لم ينسخ من شريعتهم وما لم يحرف منها؛ لشيوعه وتداوله وتوافر العمل به.
وهذا هو السبب الذي من خلاله حصل التحريف في هذه الكتب؛ لأن التحريف في الكتب السابقة كان أمرًا شرعيًا إراديًا، أي أ، الله سبحانه وتعالى كلفهم بحفظه، والمقصود أحبار بني إسرائيل، أو الربانيين.
فما دام كلفهم بحفظه فهذا تكليف، ومادام تكليفًا فيمكن أن يقع ويمكن أن لا يقع؛ لأنه أمر شرعي طلبي إرادي وليس أمرًا كونيًا قدريًا، فقد يتخلف الأمر الشرعي فيطيعون أو يعصون، وقد يفون بالعهد وقد ينقضونه ويقعون في تحريف كتاب الله، فمن أجل ذلك حصل التحريف؛ لأن استحفاظ هذه الكتب كان مهمة ألزم الله بها أحبارهم ورهبانهم، فضيعوها وخانوا الأمانة.
أما القرآن الكريم فإن الله سبحانه وتعالى لم يكل حفظه إلى أحد من خلقه، بل الله عز وجل هو الذي تكفل بحفظه، فانظر إلى هذه الآية العظيمة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] كلها عظمة وقوة قاهرة تقطع بأن القرآن محفوظ، الأمر الذي لا يمكن ليهودي، ولا لنصراني، ولا لملحد، ولا لأي مخلوق وجد على الأرض منذ نزلت هذه الآية وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يمكن لأحد أن يثبت تحريف حرف واحد من كلام الله أبدًا، وهذه من أعظم آيات نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حتى لو أن رجلًا في أقاصي الدنيا لحن في حرف واحد من القرآن، أو أسقط كلمة من القرآن لرد عليه مئات الصبيان في الكتاتيب، وردوا عليه بأن هذا غير صحيح، فهذا من آيات الله سبحانه وتعالى القائل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} [الحجر:9] وهو القرآن الكريم، ويدخل فيه السنة أيضًا، وقوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] تأكيد وقطع، وهذا الوعد لم يتخلف؛ لأن الله قضى بذلك.
وهذا لا يعني أننا لا نأخذ بأسباب حفظ الكتاب، وإن كان ذلك فهو لا يقع فيه تحريف أبدًا، وأذكر في الستينات أن عصابات اليهود كانوا حاولوا إصدار بعض الطبعات من المصحف الشريف، وحرفوا فيها سيرًا على الحرفة التي يتقنونها طول عمرهم، نفس الحرفة الدنيئة الخبيثة المتأصلة فيهم، وقد كانوا روجوها في بعض البلاد الإفريقية، وكل محاولات هؤلاء أو غيرهم للتلاعب بآيات الله تفضح في الحال ولا تمكث أبدًا، ولله الحمد على أنه ما زال هناك تسخير ونقيض لحفظ كتاب الله من التلاعب به والتحريف حتى مع وجود كثير من مظاهر الوهن والضعف في كثير من بلاد المسلمين.
ورغم ما آل إليه حال الأزهر عمومًا لكننا نجد فيه حتى الآن العناية بالمصحف والاهتمام الشديد جدًا بالمراجعة والتصحيح والتدقيق في ذلك، وهذا كله من الأسباب التي ييسر الله عز وجل بها حفظ كتابه.
وقوله تبارك وتعالى: (( يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ) )هذه الصفة أجريت على النبيين على سبيل المدح، وأريد بإجرائها التعريض باليهود، وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث، وأن اليهودية بمعزل عنها.
هذا كلام الزمخشري في الكشاف وقد رد عليه ناصر الدين ابن المنير في حاشيته فقال: وإنما بعثه على حمل هذه الصفة على المدح دون التفصيل والتوضيح أن الأنبياء لا يكونون إلا متصفين بها، فذكر النبوة يستلزم ذكرها، فمن ثم حملها على المدح، وفيه نظر.
والمقصود بها التعريض باليهود بأنهم ليسوا مسلمين، وأن الإسلام الذي هو دين الأنبياء أجمعين برئ منهم، فيذكر الناصر أن فإنك المدح إنما يكون غالبًا بالصفات الخاصة، فإذا أردت أن تمدح شخصًا فأنك تمدحه بصفة امتاز بها عن غيره.
والإسلام لفظ عام يتناول أمم الأنبياء ومتبعيهم، فقوله: (الذين أسلموا) يدخل فيه عوام المسلمين وأمم الأنبياء أجمعين، كما يدخل فيه الأنبياء أنفسهم، ألا ترى أنه لا يحسن في مدح النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتصر على كونه رجلًا مسلمًا، فلو أن رجلًا أراد أن يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن محمدًا عليه الصلاة والسلام رجل مسلم.
فهل هذا مدح له؟ لا، لا يكون هذا مدحًا؛ لأن هذا أمر مقطوع به، فالرسول عليه الصلاة والسلام مسلم قطعًا بلا شك، وهو أول المسلمين، لكن إذا أردت مدحه فتمدحه بشيء اختص به الممدوح عمن سواه؛ لأن أقل متبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصف -أيضًا- بصفة الإسلام.
يقول: فالوجه -والله تعالى أعلم- أن الصفة قد تذكر للعظم في نفسها، ولينوه بها إذا وصف بها عظيم القدر.
والمدح هنا لصفة الإسلام نفسها لا للرسول نفسه، أو للأنبياء أنفسهم، (يحكم بها النبيون الذين أسلموا) فالمدح هنا لصفة الإسلام، من حيث إن الأنبياء -وهم أعلى الناس قدرًا- متصفون بصفة الإسلام، فاقتدوا بهم في هذه الصفة.
يقول: فالوجه -والله أعلم- أن الصفة قد تذكر للعظم في نفسها، ولينوه بها إذا وصف بها عظيم القدر، كما يكون ثبوتها بقدر موصوفها.
فالحاصل أنه كما يراد إعظام الموصوف بالصفة العظيمة قد يراد إعظام الصفة لعظم موصوفها، وعلى هذا الوصف جرى وصف الأنبياء بالصلاح في قوله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات:112] فهنا المدح لإسحاق أم لصفة الصلاح؟ هنا المقصود به التنويه بصفة الصلاح وبمقداره إذ جعلت صفة الصلاة لأكمل الناس -وهم الأنبياء- بعثًا لآحاد الناس على الدأب في تحصيل صفته، وكذلك قيل في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر:7] فأخبر عن الملائكة المقربين بالإيمان قال: (ويؤمنون به) تعظيمًا لقدر الإيمان، وبعثًا للبشر على الدخول فيه ليساووا الملائكة المقربين في هذه الصفة، وإلا فمن المعلوم أن الملائكة مؤمنون ليس إلا.
ولهذا قال: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر:7] يعني: من البشر؛ لثبوت حق الأخوة في الإيمان بين الطائفتين، فكذلك -والله تعالى أعلم- جرى وصف الأنبياء في هذه الآية بالإسلام تنويهًا به، فالمدح هنا لصفة الإسلام، في قوله: (يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) ولقد أحسن القائل في مدحه عليه الصلاة والسلام حيث قال: فلئن مدحت محمدًا بقصيدتي فلقد مدحت قصيدتي بمحمد عليه الصلاة والسلام.
والإسلام وإن كان من أشرف الأوصاف -إذ حاصله معرفة الله تعالى بما يجب له ويستحيل عليه ويجوز في حقه- إلا أن النبوة أشرف الأوصاف؛ لاستعمالها على عموم الإسلام مع خواص المواهب التي لا تسعها العبارة، فلو لم نذهب إلى الفائدة المذكورة -في ذكر الإسلام بعد النبوة في سياق المدح- لخرجنا عن قانون البلاغة المألوف في الكتاب العزي