لما بين تبارك وتعالى فيما تقدم إقدام الأحبار والرهبان على تغيير أحكام الله تعالى؛ إيثارًا لحظوظهم، أتبعه بما تجرأ عليه المشركون من تغيير أحكام الله؛ إيثارًا لحظوظهم ولأهوائهم، فهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، وذلك من تغيير الأشهر الحرم التي حرمها الله تعالى لغيرها وهو النسيء الآتي، فنعى عليهم سعيهم في تغيير حكم السنة بحسب أهوائهم وآرائهم مما أوجب زيادة كفرهم فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36] .
(إن عدة الشهور) أي: عدد الشهور.
(عند الله) أي: في حكم الله.
(اثنا عشر شهرًا) أي: الشهور القمرية التي عليها يدور فلك الأحكام الشرعية.
(في كتاب الله) أي: في اللوح المحفوظ، أو فيما أثبته وأوجبه من حكمه، والكتاب يأتي بمعنى: حكم أي: حكم الله عليكم.
(يوم خلق السماوات والأرض) أي: أن هذا استقر في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، والمعنى: أن هذا أمر ثابت في نفس الأمر منذ خلق الله تعالى الأجرام والحركات والأزمنة.
(منها أربعة حرم) أي: من تلك الشهور الاثني عشر أربعة حرم، ثلاثة متتابعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد فرد وهو رجب.
(ذلك الدين القيم) إشارة إلى تحريم الأشهر الأربعة.
(الدين القيم) أي: المستقيم.
(فلا تظلموا فيهن أنفسكم) وذلك بهتك حرمتها بالقتال فيها.
وقال ابن إسحاق: أي: لا تجعلوا حرمها حلالًا، ولا حلالها حرمًا، كما فعل أهل الشرك.
(وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) أي: جميعًا.
(واعلموا أن الله مع المتقين) أي: بالنصر والإمداد.