هنا دراسة نقدية للتأويلات العددية والتفسيرات الإشارية للدكتور/ محمد محمد أبو فراخ، أستاذ التفسير والتجويد وعلوم القرآن المساعد في جامعة الإمام محمد بن سعود، يتكلم فيها على هذا الموضوع.
وقد ذكر أن فريقًا من العلماء رأى أن هذا علم مستور ومحجوب عنا لا نستطيع إدراكه، وذكر الدكتور أن بعض العلماء ذهبوا مذهبًا آخر، فاجتهدوا في محاولة تأويل فواتح هذه السور، فاتجه جمع كبير من العلماء إلى محاولة الكشف عن أسرار هذه الحروف والوقوف على معانيها ومدلولاتها والانتفاع بها، تحقيقًا للهدف الذي رمى إليه القرآن من ذكرها، قالوا: إن القرآن أنزل كي يتدبر: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص:29] ، فعلينا أن نعمل عقولنا في محاولة فهم ما وقف عنده الفريق الأول الذي فوض العلم في هذه الأحرف إلى الله سبحانه وتعالى، والذي يرى الوقف لازمًا عند قوله تبارك وتعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} ، ثم يستأنف الكلام: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} إلى آخر الآية، فالوقف التام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) وما بعده استئناف لكلام آخر، وهو قوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به) .
فالعلماء آمنوا بالمتشابه الذي لا يعلم تأويله أحد غيره تعالى، ومن أجل ذلك الإيمان والتفويض أثنى الله عليهم.
والفريق الثاني الذي ذهب إلى تفسير هذه الفواتح، جعل قوله تعالى: (والراسخون في العلم) معطوفًا على ما قبله، أي: (( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) )يعني: لا يعلم تأويل هذه الآيات المتشابهة إلا الله سبحانه وتعالى والراسخون في العلم.
فإذًا يكون الوقف على قوله تعالى: (والراسخون في العلم) يعني (( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) )وقوله: (( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) )جملة جديدة.
وقد روي عن ابن عباس: أن الراسخين معطوف على اسم الله عز وجل، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به: (يقولون آمنا به) ، وقال بهذا الرأي: الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم.
وروي عن مجاهد أنه عطف الراسخون على ما قبله وزعم أنهم يعلمونه، واحتج له بعض أهل اللغة فقال: معناها: والراسخون في العلم يعلمونه قائلين: (آمنا به كل من عند ربنا) ، وزعم أن موضع (يقولون) نصب على الحال.
لكن القرطبي لا يقبل هذا الرأي ولا يقف على قوله تعالى: (والراسخون في العلم) ولا يجعل الواو للعطف، وينكر نصب جملة (يقولون) على الحال؛ لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معًا، ولا تذكر حالًا إلا مع ظهور الفعل، فلا يجوز أن تقول: عبد الله راكبًا بمعنى: أقبل عبد الله راكبًا، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل، كقوله: عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فيصلح هنا إعرابها حالًا.
فكان قول عامة العلماء بالابتداء بقوله تعالى: (والراسخون في العلم) مستقيم مع مذاهب النحويين، وهو أولى من قول مجاهد الذي جعل الواو للعطف وزعم أنهم يعلمونه.