قوله: (( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) )بعض العلماء استدل بها على منع الخلع مطلقًا، وقالوا: إن هذه الآية ناسخة لآية البقرة التي تبيح الاختلاع.
وقال غيرهم: بل إن هذه الآية منسوخة بآية البقرة.
القول الثالث: لا ناسخ ولا منسوخ، بل إن هذه الآية تحرم أخذ الشيء من مال المرأة بدون طيب نفس منها، وآية البقرة تبيح أن تفتدي بأن يأخذ من مهر المرأة أو صداقها ما تطيب بها نفسها فلا تعارض إذًا بين الآيتين.
والله تعالى قال في سورة البقرة: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229] ، هذا صريح في أن الزوجة إذا كرهت خُلُقَ زوجها أو خَلْقَهُ أو نقص دينه أو خافت إثمًا بترك حقه أبيح لها أن تفتدي منه، وحل له أخذ الفدية منها؛ لقوله تعالى: (( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) )، يجوز في هذه الحالة أن تفتدي وتبرئه.
يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ ) )أي: ذاتهن (( كَرْهًا ) )بالفتح والضم لغتان وقراءتان، كانوا في الجاهلية يرثون نساء أقربائهم، فإن شاءوا تزوجوهن بلا صداق أو زوجوهن وأخذوا صداقهن، أو عضلوهن، يعني: منعوهن من الزواج حتى يفتدين بما ورثنه أو يمتن فيرثوهن، فنهوا عن ذلك.
(( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ) )يعني: ولا أن تعضلوهن أي: تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهن، ولا رغبة لكم فيهن وإنما تمسكوهن ضرارًا.
(( لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ) )يعني: من المهر.
(( إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) )الفاحشة المبينة: هي الزنا، أو نشوز فلكم في هذه الحالة أن تضاروهن حتى يفتدين منكم ويختلعن.
(( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) )أي: بالإجمال في القول، والنفقة، والمبيت.
(( فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ ) )فاصبروا.
(( فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) )ولعله يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولدًا صالحًا.
(( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ ) )أي: أخذ بدلها بأن طلقتموها.
(( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ ) )يعني: وقد آتيتم إحداهن أي: الزوجات.
(قنطارا)