قال تبارك وتعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} [ق:36] .
(( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ ) )أي: قبل هؤلاء المشركين من قريش.
(( مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا ) )أي: قوة كعاد وفرعون وثمود.
(( فنقبوا في البلاد ) )أي: فضربوا فيها وساروا وطافوا أقاصيها، قال امرؤ القيس: لقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب أي: أكثرت الطواف والمشي في نواحي الأرض حتى شق علي ذلك، وصرت أرى الرجوع إلى أهلي من غير ظفر ولا فائدة غنيمة.
هنا احتمالان في قوله تعالى: (( فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ) )الاحتمال الأول: أن تكون واو الجماعة عائدة إلى (قرن) أي: هؤلاء القرون الماضية نقبوا في البلاد وضربوا فيها وطافوا أقاصيها.
وعليه فمعنى (( هل من محيص ) )أي: هل كان نفوذهم في البلاد مانعًا عنهم الهلاك الذي وعدوا به لتكذيبهم الحق.
والاحتمال الثاني: أن الواو عائدة إلى مشركي مكة، أي: قبل مشركي مكة، أي: أن مشركي مكة ساروا في أسفارهم في بلاد هؤلاء القرون الذين أهلكهم الله سبحانه وتعالى، فهل رأوا لهم محيصًا حتى يتوقعوا مثله لأنفسهم؟! قال ابن جرير: وقرأت القراء قوله: (( فنقبوا ) )بالتشديد وفتح القاف على وجه الخبر عنهم، وذكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك (فنقِبوا) بكسر القاف، على وجه التهديد والوعيد، أي: طوفوا في البلاد، وترددوا فيها، فإنكم لن تفوتونا بأنفسكم.