إذًا: الزمخشري ومن تابعه على أن قوله: (( عَلَى غَيْبِهِ ) )ليس فيه صيغة عموم، كذلك أبو السعود والنسفي يقولان: ليس هذا هو المقصود بقوله تبارك وتعالى: (( فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ) )فيكفي في العمل بمقتضاه ألا يظهر تعالى خلقه على غيب واحد من غيوبه، فنحمله على وقت وقوع القيامة، فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا يظهر على هذا الغيب بالذات أحدًا، فلا يبقى في الآية دلالة على أنه لا يظهر شيئًا من الغيوب لأحد.
والذي يؤكد هذا التأويل أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية عقيب قوله: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا} [الجن:25] ، فالكلام هنا عما توعدون من قيام الساعة، يعني: لا أدري وقت وقوع القيامة.
فقوله بعده: (( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ) )أي: غيبه الذي هو علم وقت القيامة.
وبالجملة فقوله: (( عَلَى غَيْبِهِ ) )لفظ مفرد مضاف، فيكفي في العمل به حمله على غيب واحد وهو قيام الساعة، لكن هناك أنواع أخرى من الغيب يمكن أن يطلع عليها الرسل، كما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، يعني: كأن الله سبحانه وتعالى قال: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه المخصوص جدًا، والغيب المخصوص هو وقت القيامة.
قوله: (( إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ) )أي: حفظة يحفظونه من شر مردة الإنس والجن؛ لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام جوابًا لسؤال من سأله عن وقت وقوع القيامة على سبيل الاستهزاء به والاستحقار لدينه ومقالته.
وملخصه تخصيص الغيب بوقت وقوع القيامة بدلالة السياق، وتخصيص الرسول بالملك.