{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة:25 - 29] .
قال تبارك وتعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ} [الحاقة:25] أي: الكافر سيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، كما أوضحته الآية الأخرى، فعندما يلاقي العذاب ويؤتى كتابه بشماله يقول: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} [الحاقة:25 - 26] يعني: أي شيء حسابي.
قوله تعالى: {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} [الحاقة:27] قال ابن جرير: يعني: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث ولا نشور.
قوله: (( يَا لَيْتَهَا ) )الهاء تعود على الموتة التي ماتها في الدنيا كما يعتقد كثير من الكفار أنه لا حساب ولا بعث ولا نشور ولا حياة أخرى، وإنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، والإنسان ينتهي بمجرد أن يموت، وهذا مخالف للحقيقة، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حيّ ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيِّ والقاضية بمعنى القضاء وهو الفراغ.
قوله: (( يَا لَيْتَهَا ) )يحتمل أن المعنى يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث، أو: (( يا ليتها ) )يعني: يا ليتني قبل أن آخذ كتابي وقبل أن أعذب أموت موتًا يقضي عليّ وتخرج روحي فلا تعود أبدًا.
قوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ} [الحاقة:28] يعني: ما دفع عني من عذاب الله شيئًا.
و (ما) هنا قيل: إنها استفهامية، وقيل: إنها نافية، فأما على القول بأن (ما) استفهامية فيكون المعنى: ما الذي أغنى عني المال الذي كنت أملكه في الدنيا؟ يعني: أي شيء أغنى عني؟
والجوابلا شيء.
أو تكون (مَا) نافية فيكون المعنى: لم يغن عني ماليه، وهذا كقوله تبارك وتعالى: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88 - 89] وقوله تبارك وتعالى: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [المسد:2] .
قوله تعالى: {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة:29] أي: لم تبق لي حجة أحتج بها، فهذا المال والجاه والملك والتسلط على الناس لم يغن عني شيئًا.