يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: لأن الله تعالى قال في آخرها: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} [التين:7] أي: بعد هذه الحجج الواضحة، وهي بدء خلق الإنسان وتطوره إلى أحسن أمره، ثم رده إلى أحط درجات العجز أسفل سافلين، وهذا هو الشاهد لهم، يحتج به عليهم.
أما رده إلى النار فأمر لم يشهدوه ولم يؤمنوا به، فلا يصلح أن يكون دليلًا يقيمه عليهم؛ لأن من شأن الدليل أن ينقل من المعلوم إلى المجهول، والبعث هو موضع إنكارهم، فلا يحتج عليهم لإثبات ما ينكرونه بما ينكرونه، وهذا الذي ذهب إليه.
ومما يشهد لهذا الوجه: أن حالة الإنسان هذه في نشأته من نطفة، فعلقة، فطفلًا، فغلامًا، فشيخًا، فهرمًا، فهرم وعجز، جاء مثلها في النبات، وكلاهما من دلائل البعث، كما في قوله: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [الحديد:20] إلى قوله: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} [الحديد:20] .
وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ} [الزمر:21] .
فكذلك الإنسان؛ لأنه كالنبات سواء كما قال تعالى: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا} [نوح:17 - 18] .
ويكون الاستثناء: (( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) )فإنهم لا يصلون إلى حالة الخرف وأرذل العمر؛ لأن المؤمن مهما طال عمره فهو في طاعة وفي ذكر الله، فهو كامل العقل، وقد تواتر عند العامة والخاصة أن حافظ كتاب الله المداوم على تلاوته لا يصاب بالخرف ولا الهذيان.
وقد شاهدنا شيخ القراء بالمدينة المنورة، الشيخ: حسن الشاعر لا زال على قيد الحياة عند كتابة هذه الأسطر تجاوز المائة بكثير، وهو لا يزال يقرئ تلاميذه القرآن، ويعلمهم القراءات العشر، وقد يسمع لأكثر من شخص يقرءون في أكثر من موضع، وهو يضبط على الجميع.
انتهى كلامه.
وهذا أمر ملاحظ، ولكنه ليس قاعدة في أن من وصل إلى هذه السن وحفظ الله عليه صحته، فإن ذلك يكون بسبب العلم أو نحوه، وليس معناه أن من ابتلي بأمراض الشيخوخة يكون هذا بذنب منه أو أن هذا غمز فيه، لا، بل هذه سنة الحياة.
فمثلًا: العلامة الألباني رحمه الله تعالى توفي عما يقارب تسعين سنة، والشيخ ابن باز كان عمره حوالي واحد وتسعين سنة، رحمهم الله أجمعين.
فهذا موجود ومشاهد، ومن العجيب جدًا ما كان من أمر العلامة الكبير القاضي الشيخ عبد الله بن يوسف، الذي تلقيت عنه شيئًا بسيطًا من العلم في أبها، وكان قرين ابن باز أو ربما أكبر منه قليلًا، وهو إلى الآن حي يُرزق، وهو مشهور جدًا بصفة معينة -والشيخ عائض القرني باعتباره من بلده يعرف هذه الصفة- وهي: أنه لا يفتر أبدًا عن ذكر الله بأي حال من الأحوال، ولا يمكن أن يوقف لسانه عن الذكر مطلقًا، وهذا من العجائب، وهذا الشيخ كبير جدًا في السن، ومع ذلك -ما شاء الله- يحفظ بعض كتب العلم بالحرف، فهو يحفظ كتاب (المغني) من الجلدة إلى الجلدة عن ظهر قلب، وأنا كنت أقرأ عليه أحيانًا في كتاب (لطائف المعارف) لـ ابن رجب، فكان يصحح لي في الكتاب غيبًا.
فالله أعلم، ربما ما تعلم كتابًا إلا وكان حافظًا له.
وقد كان على درجة عظيمة جدًا من العلم، وكان إذا تغيب شيخه عن الدرس فإنه يقوم مقامه في إلقاء الدرس للشيخ ابن باز ورفاقه.
وقد كنت أظن أنه توفي؛ لأنه كبير جدًا في السن، ولكن قبل شهور قليلة فوجئت بأحد الإخوة من أبها يقول لي: إنه ما زال حيًا يُرزق، حفظه الله تعالى.
فالشاهد: أن هذا شيء ملاحظ، وهو أن الله سبحانه وتعالى يحفظ العبد إذا حفظ جوارحه.