قال تعالى: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود:60] .
(( وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ) )أي: جعلت اللعنة تابعة لهم ولازمة لهم في الدارين.
قال أبو السعود: والتعبير عن ذلك بالتبعية للمبالغة، ولم يقل: وجعلت عليهم اللعنة وإنما قال: (( وأتبعوا ) )يعني: أنها لازمة لهم لصيقة بهم، أينما ذهبوا، فهي لا تفارقهم وإن ذهبوا كل مذهب، بل تدور معهم حيثما داروا، وذلك بسبب اتباعهم رؤساءهم جزاءً وفاقًا.
وهذه إشارة إلى قاعدة: الجزاء من جنس العمل، لأنهم كما في الآية السابقة: (( وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) )، فلما اتبعوا رؤساءهم في الكفر كان جزاؤهم: (( وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ) )، أي: هذا جزاء متابعتهم رؤساءهم في الكفر والعناد والتجبر، فعوقبوا من نفس الجنس بأن أتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة.
(( أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ) )أي: إذ عبدوا غيره، وسبق أن أشرنا إلى أن كفروا هنا تعدت بنفسها بدون حرف الباء.
(( أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ) )دعا عليهم بالهلاك أو باللعنة، وفيه من الإشعار بالسخط عليهم والمقت ما لا يخفى فظاعته.
وتكرار حرف التنبيه (ألا) للمبالغة في تهويل حالهم والحث على الاعتبار بنبئهم.
وقوله: (( ألا بعدًا لعاد قوم هود ) )هذا عطف بيان لعاد (( ألا إن عادًا كفروا ربهم ألا بعدًا لعاد قوم هود ) )الفائدة المزيدة هنا هي النسبة بذكر هود عليه السلام، وفيها إشارة إلى أنهم ما استحقوا هذه الهلكة إلا بإعراضهم عن دعوة نبيهم هود عليه السلام، ولذلك قال: (( ألا بعدًا لعاد قوم هود ) )كأنه قيل: عاد قوم هود الذي كذبوه عليه السلام.
وهنا تناسب أيضًا بين أواخر الآيات؛ لأنه قال قبلها: (( وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) )، وقبل ذلك: (( حَفِيظٌ ) )، و (( غَلِيظٍ ) )، وغير ذلك مما هو على وزن فعيل المناسب لفعول في القواسم، وهنا ختمت الآية بقوله: (( أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ) ).