فهرس الكتاب

الصفحة 2507 من 3275

تفسير قوله تعالى:(والنجم والشجر يسجدان)

قال تبارك وتعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن:6] .

قوله: (( والنجم ) )اختلف العلماء في المراد بالنجم في هذه الآية: فقال بعض العلماء: النجم هو ما لا ساق له من النبات كالبقول، والشجر هو ما له ساق.

وقال بعض أهل العلم: المراد بالنجم نجوم السماء.

يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: الذي يظهر لي صوابه: أن المراد بالنجم هو نجوم السماء، والدليل على ذلك: أن الله جل وعلا في سورة الحج صرح بسجود نجوم السماء والشجر، ولم يذكر في آية من كتابه سجود ما ليس له ساق من النبات بخصوصه، ونعني بآية الحج قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ} [الحج:18] ، فدلت هذه الآية أن الساجد مع الشجر في آية الرحمن هو النجوم السماوية المذكورة مع الشمس والقمر في سورة الحج، وخير ما يفسر به القرآن القرآن، وعلى هذا الذي اخترناه فالمراد بالنجم النجوم.

يعني: هي مفرد، لكن يراد بها الجمع، ومن ذلك قول الراعي: فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها فقوله: (فباتت تعد النجم) فالنجم هنا مفرد، لكن هي في الحقيقة كانت تعد النجوم؛ لأنه لو كان نجمًا واحدًا لما تعبت في عده، بل كانت تعد النجوم، وفي لغة العرب يكثر إطلاق المفرد مع إرادة الجمع.

ومن ذلك أيضًا قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: أبرزوها مثل المهاة تهادى بين خمس كواعب أتراب ثم قالوا تحبها قلت بهرًا عدد النجم والحصى والتراب قوله: (عدد النجم والحصى والتراب) يعني: عدد النجوم، مع أن اللفظ هنا مفرد.

وقول الله تبارك وتعالى هنا: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} مثل قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [الرعد:15] ، فنسب السجود إلى كل هذه المخلوقات، فسجود كل شيء بحسبه.

يعني: كل كائن من المخلوقات له تسبيح وله سجود، لكن منه ما نفهمه وهو الذي يتعلق بلغتنا نحن، أما سجود غيرنا من الكائنات فهذا ليس إلينا؛ لأنه مما لا ندركه كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44] ، فأثبت لهم تسبيحهم، ولم يقل: ولكن لا تفقهون تسبيحها مع أن هذا هو الأصل؛ لأنها من غير العقلاء، لكن أنزلها منزلة العقلاء فأتى بضمير العقلاء (هم) تغليبًا للعقلاء.

يقول القاسمي رحمه الله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} ، قوله: (( والنجم ) )أي: النبات الذي ينجم.

يعني: الذي يطلع من الأرض ولا ساق له.

قوله: (( والشجر ) )أي: الذي له ساق.

إذًا: القاسمي رجح التفسير الآخر وهو: أن النجم هو الشجر الذي لا ساق له وذلك لاقتران النجم بالشجر.

بينما كلمة النجم تحتمل أن تكون النجوم في السماء أو النجوم وهو النبات الذي لا ساق له.

وربما الذي أداه إلى هذا القول هو اقترانها بالشجر، فصار نسبة السجود للشجر الذي له ساق، والشجر الذي لا ساق له.

قوله: (( يسجدان ) )ثنى فعلهما على وفاق لفظهما، وإن كانت هذه الأسماء مفردة في الحقيقة؛ لكنها تدل على المجموع، فالتثنية هنا نظرًا إلى اللفظ فقط، أما من حيث المعنى فهي سجود لعدد كبير.

(( يسجدان ) )أي: ينقادان لله فيما يريد بهما طبعًا، انقياد الساجد من المكلفين طوعًا، وفي الحقيقة مما يؤسف له أن في الأجزاء الأخيرة من تفسير القاسمي ميلًا كثيرًا إلى القول بالمجاز، وتوسع في ذلك حتى كأني أكاد أحس أن هناك شخصًا آخر كتب الجزء الأخير هذا؛ لأن كثيرًا جدًا منه فيه مخالفة لمنهج السلف في تفسير أمثال هذه الأشياء، هل يستحيل أن النجم يسجد لله والشجر يسجد لله؟! إذا قلت: كل يسجد بحسبه، لماذا تنطلق أذهاننا فقط إلى السجود الذي هو متعلق بنا نحن؟ نحن لنا سجود ندركه؛ لأنه متعلق بالسجود الذي نفهمه، ونحن نسبح الله بالطريقة المعروفة، لكن ما الذي يمنع أن الجبال تسبح؟ هل هذا من حيث العقل مستحيل، بحيث أننا نلجأ دائمًا إلى المجاز، ونقول: إن تسبيح الجبال هو أن من رآها قال: سبحان الله؟! الذي خلق هذه الجبال وغيرها أتانا بالدليل، مثل قوله تعالى في الآية التي في سورة ص: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} [ص:18] ، ومثل قوله تبارك وتعالى: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ:10] ، فكان داود عليه السلام يسبح ويذكر الله سبحانه وتعالى بصوت عال، والجبال تردد معه والطيور تسبح من ورائهم.

يا ليتنا أدركنا هذا المنظر الرائع! داود عليه السلام يسبح والجبال تنطق بالتسبيح معه، والطيور كذلك، الله قادر على كل شيء ولا يعجزه شيء.

إذًا: الجبال لها تسبيح يناسبها، وكذلك كل هذه المخلوقات لها تسبيح يناسبها، كذلك الموج له تسبيح وكل شيء له تسبيح.

وما يدرينا لعل الأصوات التي نسمعها مثل: أصوات العصافير في الصباح وفي المساء، لعل هذه الطيور أيضًا تقول أذكار الصباح والمساء بطريقة يعلمها الله، ألم يعلَّم الله سبحانه وتعالى سليمان عليه السلام لغة الطير، وفهم كلام الهدهد؟ إذًا: ما الذي يدعو الناس إلى اللجوء إلى المجاز؟ هل يعجز الله شيء حتى نهرب إلى المجاز دائمًا؟! فالشاهد: أنه لو كان تسبيح الجبال بأن من رآها قال: سبحان الله! فإنها لا تسبح أصلًا، فلماذا نستبعده؟! ولو كان كذلك لما خص تسبيحها بالعشي والإشراق، لكن سيكون هذا في كل وقت؛ لأن الناس إذا رأوها وقالوا: سبحان الله! فهذا سيكون بالعشي والإشراق، والليل والنهار، والظهر والضحى، وكل الأوقات، فعندما يرونها سيقولون: سبحان الذي خلقك! لكن هنا تخصيصها بالعشي والإشراق فيه دليل على أنه تسبيح حقيقي، ولو كان غير حقيقي لم يقل الله تبارك وتعالى في الجبال: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة:74] من الجبال ما يتفطر من خشية الله، ونظائر ذلك كثيرة تكلمنا عنها بالتفصيل أثناء تلخيص كتاب (عبودية الكائنات) للأخ الفاضل الشيخ محمد فريد، وهو كتاب قيم جدًا في هذا الباب، ننصح الإخوة بقراءته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت