ذكر العلماء الحكمة في أن الله تعالى ركّب الشهوة في جنس الآدميين كما ركبها أيضًا في بقية الحيوانات، فقالوا: الحكمة هي: وجود التوالد، وبقاء هذا الجنس من خلق الله تعالى، فإن بالنكاح يدوم ما دام أن الله تعالى أراد إبقاءه، ولما أراد الله أن يغرق أهل الأرض في زمن نوح، أمره أن يحمل من الحيوانات من كل زوجين اثنين: ذكرًا وأنثى من كل صنف، فحمل من الإبل ذكرًا وأنثى، ومن الفيل ذكرًا وأنثى، ومن الخيل، ومن الحمر، ومن البقر، ومن المعز، ومن الضأن، وكذلك من الطيور، ومن الوحوش، ومن الظباء والوعول وما أشبهها، حشرها الله له فحمل من كل زوجين اثنين؛ لأن الغرق عم جميع الأرض، فغرق كل من على وجه الأرض، ونجا أهل السفينة، فلما نجا أهل السفينة بما فيها تناسل ذلك الخلق الذي بقي، وقد حمل حتى الحشرات ونحوها مما أذن الله تعالى بقتله كالحية والعقرب والحشرات بأنواعها، وقد جعل الله تعالى سبب بقائها هذا التزاوج، فالذكر منها ينكح الأنثى، ثم يحصل التزاوج، ويحصل بعد ذلك التواجد، فهكذا الإنسان، ركّب الله فيه هذه الشهوة التي تدفعه إلى الاتصال الجنسي، وكذلك ركب أيضًا في المرأة الشهوة ليحصل التزاوج، ويحصل التقارب؛ فيحصل بذلك التوالد، ووجود النوع الإنساني، وعدم انقطاعه، فلو كان الخلق كلهم ذكورًا ما حصل التوالد، وكذا لو كانوا كلهم إناثًا، فالذي تكون -مثلًا- إبله كلها ذكورًا لا تتوالد، وكذلك بقره أو غنمه لا يحصل التوالد إلا إذا كان هناك ذكور وإناث، فمن حكمة الله أن جعل في الإنسان هذه الشهوة التي تدفعه إلى أن يحصل منه هذا الوصال وهذا الجماع؛ فيحصل بذلك الحمل، ويحصل التوالد، ويحصل البقاء.
كذلك أيضًا بعد خروج الإنسان إلى الدنيا يلقي الله في قلوب أبويه رقة وشفقة عليه؛ ليربياه إلى أن يترعرع، وإلى أن يكون إنسانًا قويًا.