انتهى ما يتعلق بالنفقة على الأقارب مع الاختصار، بقي ذكر النفقة على الرقيق الذي هو العبد المملوك، وقد ذكر المؤلف أنها تجب عليه لرقيقه؛ وذلك لأنه مملوك له؛ ولأنه يقول: أنفق علي واستخدمني، وإلا فبعني أو أعتقني.
تجب عليه النفقة للرقيق، ولو آبقًا وناشزًا، والنشوز يكون من الأمة، إذا كان له أمة يملكها، ولكنها إذا أراد جماعها امتنعت، اعتبرت ناشزًا، فهل ينفق عليها؟ نعم؛ لأنها ملكه، أما الزوجة إذا نشزت سقطت نفقتها؛ لأن نفقتها معاوضة، وأما الأمة فإن نفقتها لأجل الملك، فينفق عليها ولو كانت ناشزًا.
وينفق على العبد ولو أبق أي: هرب: لأنه لم يخرج عن ملكه، هذا بالنسبة للنفقة، وهي على المعتاد، ولكن يتأكد عليه أن يسويه بنفسه.
تذكرون حديث أبي ذر الذي في الصحيح، ذكر أنه عير عبدًا بأمه فقال له: يا ابن السوداء! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعيرته بأمه! إنهم إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، ويلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) يعني: قوله (إخوانكم خولكم) الخول: الخدم، جعلهم الله تحت أيديكم مماليك، والمملوك لا يستطيع أن يخرج من سلطة سيده، فهو مستولٍ عليه، مملوكة عليه منافعه، فلذلك لا يستطيع أن يتخلص، فتجب نفقته على سيده كما أنه يستخدمه.
وإنما له أن يستخدمه فيما يطيقه.
يقول في هذا الحديث: (جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تطعمون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم) ، فلذلك امتثل أبو ذر ذلك، فرآه بعض الصحابة وعليه حلة، وعلى عبده حلة مثلها، فتعجبوا: كيف تساويه بنفسك؟ فأخبر بهذا الحديث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أطعموهم مما تطعمون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) ، فكان يسكوه مثل كسوته.
كذلك أيضًا ورد في الحديث: (إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه فليجلسه معه -أي: فليأكل- فإنه ولي حره وعلاجه، فإن لم يفعل فليناوله لقمة أو لقمتين) ، العادة أن الخادم هو الذي يصلح الطعام لسيده، فإذا جاء به وقد ولي حره وعلاجه، فإن من الإنصاف أن يجلسه، يقول: اجلس وكل معي، ولو كان ذلك الطعام خاصًا، ومعروف أنه قد يصطفي لنفسه طعامًا خاصًا من أشرف الأطعمة وأحسنها، وعادة أنهم يجعلون للمماليك طعامًا يناسبهم؛ وهو من أدنى الطعام، فأحلى الخبز وأفضله وأحسنه يكون للسيد، وما دونه يكون للعبد، كذلك مثلًا إذا كان هناك لحم، فاللحم الحسن والثمين يكون للسيد، واللحم الهزيل أو رديء اللحم أو ما فيه عصب أو نحوه يعطيه المملوك، يقول: وإن لم تجلسه معك فناوله لقمة أو لقمتين من هذا الطعام الشهي.
هذا بالنسبة إلى قوته وغذائه من الطعام والشراب والكسوة وما أشبه ذلك.
قال: (ولا يُكلفُهُ مشقًا كثيرًا) .
يعني: من الأعمال، فلا يكلفه عملًا يشق عليه، فإذا كان مثلًا يشتغل في حرث فلا يشغله مثلًا عشرين ساعة أو خمس عشرة ساعة، فإن ذلك يشق عليه، وكذلك إذا كان يشتغل في ماشية يرعى ويسقي ويحلب ويريح، فلا يكلفه أيضًا عملًا شاقًا، وهكذا إذا كان يشتغل في تجارة فلا يكلفه أكثر من طاقته، كأن يشغله خمس عشرة ساعة أو اثني عشرة ساعة في الدكان، أو إذا كان في حرفة أن يشتغل معه في صنعة كورشة أو مصنع أو نجارة أو ما أشبه ذلك، يشتغل معه بقدر ما يستطيع، وهو ما يكلفه مشقًا كثيرًا، بل بقدر ما يستطيع الذي ليس فيه مشقة.
وذكر أيضًا أنه يريحه وقت القيلولة قبل الظهر مثلًا بساعة، عندما تشتد حرارة الشمس، هذا وقت القيلولة، وذلك إذا كان يشتغل في حرث أو في بناء، أو يشتغل مثلًا في مصنع، أو نحو ذلك، وكذلك وقت النوم في كل ليلة ثمان ساعات أو سبع ساعات مثلًا، هذا وقت النوم في الليل.
(ولصلاة فرض) يلزمه أن يرخص له أن يذهب إلى المسجد لأداء الفريضة ولأداء سننها.
وأما الجمعة فلا تجب عليه إذا كان المسجد بعيدًا؛ لأنهم قديمًا كانت المساجد التي تصلى فيها الجمع قليلة، وكانوا يأتون إليها من مسيرة ساعتين أو أكثر، فيفوت على السيد شيء كثير، لأنه يوم الجمعة قد يغيب نحو خمس ساعات لأداء صلاة الجمعة، أو عشر ساعات أحيانًا، ففي هذه الحال تسقط عنه الجمعة، أما إذا كانت المساجد قريبة فليس له منعه.
كذلك أيضًا صلاة العيد، إذا كانت قريبة فليس له منعه، وإذا كانت بعيدة وذهابه إليها يغيبه عن عمله مثلًا خمس ساعات أو أربع ساعات، فهو معذور في أنه تسقط عنه الجمعة والعيد.
هذا ما يتعلق بنفقة الرقيق.