الشرط الثاني: الرضا، ولا شك أن الرضا معتبر، وقد تقدم أنه شرط في البيع أيضًا، ودليله: قوله سبحانه وتعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29] ، وقوله: {إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:232] ، فإذا كان شرطًا في البيع، مع أنه تمليك مال، فلابد أيضًا أن يكون شرطًا في النكاح، فلا يصح إكراه أحدهما على النكاح وهو لا يريده، ولا يصح أن يُكره الرجل على امرأة لا يرغبها، وتنفر نفسه منها، إما لسوء خلق، أو لقبح مظهر، أو دمامة، أو عيب، أو كبر، أو صغر، أو جهل، أو نحو ذلك، فإذا أكره وهو غير مقتنع ولم يكن موافقًا، لم يعش عيشة طيبة، ويؤدي ذلك إلى الفراق بسرعة، فلذلك لابد أن يكون موافقًا راضيًا، وهكذا الزوجة أيضًا لابد من رضاها، بل ورضاها أهم، وما ذاك إلا أن الغالب أن الزوج هو المتقدم للخطبة، وهو الطالب، والغالب أنه لا يقدم إلا بعدما يتأكد من الصلاحية، أما الزوجة فإنها قد تكون جاهلة بذلك الزوج، وقد تكون أيضًا كارهة له، وربما كارهة للنكاح كليًا، فلذلك لابد من رضاها، وقد جاءت السنة باشتراط الرضا، فثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنكح البكر حتى تُستأذن، ولا الثيب حتى تُستأمر) ، وثبت أيضًا: (أن جارية زوجها أبوها بغير رضاها، فخيّرها النبي صلى الله عليه وسلم) ، وفي حديث آخر: (جاءت جارية بكرًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته -يعني: ليرفع قدره، كأن ابن أخيه كان خاملًا فأراد أن يرفع قدره بتزويجه بابنته- فخيّرها، فأجازت نكاح أبيها، وقالت: إنما أردت أن يعلم النساء أن ليس للأولياء عليهن سلطة) أو كما في الحديث، فدل ذلك على أنه يشترط رضاها، وفي حديث عبد الله بن عمر أنه خطب ابنة خاله قدامة وكان قد مات، وكان له بنت فخطبها إلى أمها فوافقت، وعقدوا له، ثم إنه جاءهم المغيرة بن شعبة ورغب لهم في المال، فجاء عمها، واشتكى وقال: (يا رسول الله! إنها جاهلة، وإنها تزوجت وأنا غير راضٍ، وأنا أولى بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها يتيمة، وإن اليتيمة لا تزوج إلا بإذنها وبإذن وليها) ففسخ نكاحها من عبد الله وهي ابنة خاله، وزوجها بـ المغيرة؛ فدل ذلك على أنها لا تزوج إلا برضاها، وبعد مشاورتها.
ثم لابد أن يُسمى لها الرجل حتى تعرفه يقينًا، وإذا كانت جاهلة فلها أن تسأل، وكذلك أيضًا لابد أن تخبر عن نسبه، وعن حرفته، وعن كفاءته، ومقدرته المالية ونحوها، فإذا اقتنعت بذلك كله، حصل التزويج، أما إذا لم تقتنع فلا يجوز.
والفقهاء استثنوا الأب، وقالوا: إن الأب يجوز له أن يزوج الصغيرة بدون إذنها، وله أيضًا أن يزوج ابنه الصغير إذا رأى في ذلك مصلحة، ولماذا يزوج ابنته دون رضاها إذا كانت صغيرة؟
الجوابالغالب أن الأب يكون معه شفقة، ويكون معه حنو على ولده ذكرًا كان أو أنثى، فلا يقدم على تزويجه إلا لمصلحة ظاهرة يراها، فأباحوا له أن يزوج ولده ذكرًا أو أنثى إذا كان صغيرًا، والغالب أن الصغير رجلًا أو امرأة لا يكون عنده تفكير، ولا يكون عنده معرفة، فإذا كان الأب راضيًا بهذا الزوج فالغالب أن الولد يكون كفئًا وأهلًا أن يزوج، ومع ذلك فالصحيح أنه ليس على إطلاقه، فقد يكون كثير من الآباء عندهم جشع، ويزوج غير الكفء لأجل المال، فإذا جاءه إنسان عنده مال ورغبه في كثرة العطاء، فقد يزوجه بغير رضا المرأة، والمرأة هي التي تتألم، وهي التي تتعذب؛ لأنها تلازم ذلك الزوج طوال حياتها، فإذا لم يكن أهلًا في دينه وفي خلقه، فإنها هي التي ينالها الأذى، فلابد من رضاها.
وكثيرًا ما تشتكي الإناث فتذكر الواحدة منهن أن أباها أكرهها؛ لأجل أن ذلك الزوج عنده مال، ودفع له دفعًا كثيرًا، فتألمت الزوجة وتعذبت، وبقيت حسيرة سجينة، وتذكر أنه يتركها في المنزل، ويذهب مع رفقته، ولا يأتي إلا في الساعة الثالثة ليلًا، وربما لا يأتي إلا بعد الفجر، وإذا جاء طرح نفسه على الفراش، وهي طوال ليلها ساهرة تنتظره، أو كذلك يأتي إلى بيته بأصدقائه الفاسدين، ويشرب معهم المسكر، ويسهرون طوال ليلهم على غناء وزمر ومفاسد، وتكون هي المعذبة، لذلك لابد أنها تكون راضية حتى ولو كانت صغيرة إذا كانت مميزة عاقلة.
والأولى أيضًا عدم تزويج الصغيرة التي دون العاشرة؛ وذلك لأنها في الغالب ليس عندها تفكير، ولكن إذا كان الأب ناصحًا، وخاف أن هذا الزوج يفوت عليه، فله أن يزوجها، ويكون ذلك موقوفًا على رضاها بعدما تميز.
كذلك أيضًا استثنوا المعتوه ولو كان بالغًا، أي: ضعيف العقل، ما عنده تمييز ولا عنده معرفة، سواء كان ذكرًا أو أنثى، فإذا رأى وليه المصلحة في تزويجه فإن له أن يزوجه ولو بغير رضاه، فكثير من النساء تكون مخبلة ضعيفة العقل، أو معها مس أو نحوه، ولا تمييز لها، فلابد أنه ينظر لها المصلحة، فإذا جاءه من يخطبها ولو كبيرًا ولو فقيرًا ورأى في ذلك المصلحة فله تزويجها؛ لأنه ليس لها اختيار، سواء كان فيها نقص العقل أو فقده كالجنون، فالمعتوهة أو المجنونة له أن يزوجها وليها بغير اختيارها؛ لأنه ليس لها اختيار.
كذلك أيضًا استثنوا الثيب التي دون تسع، وإن كان ذلك أيضًا نادرًا، فلو قدر أن رجلًا زوج ابنته وهي بنت ثمان، ودخل بها زوجها ووطأها، ثم طلقها وأصبحت ثيبًا وعمرها دون التسع، فلأبيها أن يزوجها؛ وذلك لعدم تمييزها، ولعدم معرفتها بما هو الأصلح.
وقد ذكرنا أن الأولى عدم تزويجها حتى ترشد وحتى تختار.
وكذلك أيضًا البكر، جُعل له تزويجها مطلقًا؛ وذلك لأن الأب كما ذكروا أحنى على أولاده، وأشفق عليهم، فلا يزوج إلا باختيار وبحرص، فجعلوا الأب أحق بالبكر ولو كان عمرها عشرين، فله أن يزوجها بدون اختيارها وبدون أخذ رأيها، هكذا قالوا، وقد ذكرنا الأدلة على أنها تختار، وأنه لا يجوز تزويجها إلا برضاها؛ لعموم الأدلة: (لا تنكح البكر حتى تُستأذن) وهذا عام، سواء كان الأب أو غيره، فالفقهاء اختاروا أن الأب له خصوصية، وألحقوا به أيضًا وصيه، فإذا أوصى إلى إنسان عدل وموثوق فإنه يقوم مقام الأب في كونه يزوج الصغير ويزوج المعتوه ولو كان بالغًا بدون رضاه، ويزوج المجنونة، ويزوج الثيب التي دون تسع، ويزوج البكر مطلقًا ولو كانت ابنة عشرين، فالأب ووصيه يزوجون هؤلاء بدون الرضا.
والقول الثاني -وهو الصحيح سيما في هذه الأزمنة-: أنه لابد من الرضا لهؤلاء مطلقًا.
واستثنوا أيضًا السيد، فإذا كان إنسان عنده مماليك: إماء وعبيد، فيزوج إماءه بدون رضاهن؛ وذلك لأن المصلحة له، وهو الذي يأخذ المهر، وأولادها يكونون مماليكًا له وعبيدًا، فله أن يكرهها، وأن يجبرها على أن تتزوج بمن يريد، ولعل الأرجح: عدم جواز ذلك؛ لما فيه من التعذيب حسيًا أو معنويًا، وكذلك أيضًا عبده الصغير، ليس له إكراهه على أن يتزوج إلا برضاه؛ لأن ذلك يخضع لشهوته ونفسه وميلها.
ولما ذكروا الأب ووصيه والسيد قالوا: لا يزوج بقية الأولياء صغيرة بحال، كالأخ وابن الأخ، والعم وابن العم، والجد، والابن وابنه، لا يزوجون الصغيرة بحال، فلابد أنهم يتركونها حتى تبلغ وترشد، ولا يزوجون بنت تسع إلا بإذنها، سواء كانت بكرًا أو ثيبًا.
ثم ذكروا كيف يعرف إذنها، ورد في الحديث: (رضا البكر صماتها، وسئل: إن البكر قد تستأذن فتستحيي، فقال: إذنها سكوتها) ، فإذا سكتت فإن ذلك دليل على الرضا، أما إذا نطقت وقالت: لا أريده، فعند ذلك لا يجوز إجبارها، وإذا تجرأت ونطقت وقالت: زوجوه، ولو كانت بكرًا، جاز ذلك بطريق الأولى، فإذا كان رضاها السكوت، فالنطق دليل الرضا أيضًا، وأما الثيب فلا يُكتفى في نكاحها بالسكوت، بل لابد أنها تنطق وتتكلم صريحًا بأنها قد رضيت فتقول: زوجوه، أو قبلته، أو ما أشبه ذلك.