الضرب الثاني من الشركة: شركة المضاربة: وهي مشتقة من الضرب في الأرض، وهو السفر قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ} [النساء:101] يعني: سافرتم، وقال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل:20] وسميت بذلك؛ لأن الغالب في التجار أن يسافر أحدهم لأجل التجارة، فيستجلب سلعًا رخيصةً ثم يحملها فيبيعها في البلد الثاني بثمن أرفع، فيربح في ذلك، فيكون له جزء من الربح، ولصاحب المال جزء من الربح.
وتعريفها: دفع مال معين معلوم لمن يتجر فيه بجزء معلوم مشاع من ربحه، وفي هذه الشركة يكون رأس المال من واحد والتصرف من واحد؛ وذلك لأنك قد تكون محسنًا للتجارة قادرًا على أن تشتري وعلى أن تبيع، وتعرف كيف يكون الربح، ولكن ليس عندك رأس مال، فتأتي إلى أحد التجار الذين عندهم أموال كثيرة زائدة عن تصرفهم، فتتفق معه على أن يعطيك مائة ألف مثلًا، على أن تتجر فيها، فيكون منك الاتجار والبيع والشراء، ومنه رأس المال، والربح بينكما، يكون نصفين أو أثلاثًا أو أرباعًا، على حسب ما تتفقان عليه.
وهذا مما يحصل به التنمية للأموال، فإن كثيرًا من الناس عندهم أموال مرصودة ولا يحتاجون إليها للتصرف، وآخرون لا يجدون مالًا يتصرفون فيه، فيكون من هذا الاتجار، ومن هذا رأس المال، فيحصل لهذا ربح ولهذا ربح، ولا شك أن هذا جائز، ويسمى قراضًا، فكأنهم أقرضوه يعني: أعطوه من المال، وقد عمل بهذا كثير من السلف، وكان حكيم بن حزام إذا أعطى ماله قراضًا لإنسان يشترط عليه فيقول: لا تجعل مالي في كبدٍ رطبة -يعني: لا تشتر به بهائم فإنها قد تموت- ولا تنزل به واديًا -لأنه قد يأتي السيل فيذهب به- ولا تركب به بحرًا -مخافة أن يغرق-، فكأنه يشترط عليه شروطًا.
ويذكر أن عبد الله بن عمر وعبيد الله جاءا مرةً من العراق، وكان أمير العراق قد جمع مالًا كثيرًا لبيت المال من الجزية ومن الخراج، فأعطاه عبد الله وعبيد الله وقال: هذا مال لبيت المال، ادفعاه لأبيكما، واشتريا به حنطة.
فاشتريا وحملاها على رواحلهما وربحا ربحًا كثيرًا، فقال أبوهما عمر رضي الله عنه: أعطياني رأس المال والربح، فإنه ما أعطي كل واحد من الجيش مثلكما، فقال عبيد الله: لو خسرنا لدفعناه كله، ولو تلف لدفعناه، وعبد الله سكت، ثم اتفق بعض الصحابة على أن يجعلوه قراضًا، فأخذ منهم نصف الربح وجعله قراضًا.
ولابد أن يكون رأس المال معلومًا، حتى إذا انتهت الشركة رد رأس المال إلى صاحبه ويقتسمان الربح، ولابد أن يكون الربح بينهما جزءًا معلومًا مشاعًا، فلا يقول مثلًا: لي ربح السفر إلى الشام، ولك ربح السفر إلى اليمن، بل يقول: في كل سفرةٍ لي نصف الربح ولك نصفه أو لي ثلثه ولك ثلثاه.
قوله: (وإن ضارب لآخر فأضر بالأول حرم، ورد حصته في الشركة) فمثلًا: لو أعطيته مائة ألف، وهذه المائة تكفيه ليتصرف، ولكن أخذ مائة ألف من تاجر آخر، واتجر بها، فلاشك أن هذه المائة الثانية تقلل من إنتاجه، وتشغله، فيضر بالأول، ففي هذه الحال يرد حصته من المضاربة الثانية في ربح المضارب الأول، ويقسمها مع المضارب الأول؛ لأنك ما أعطيته أولًا إلا وأنت تريد أن يعمل بجهده، وبكل ما يستطيعه، والآن قد صرف بعض جهده للآخر، أما إذا لم يضر فلا حرج؛ لأنه مثلًا قد يقول: أنت أعطيتني عشرة آلاف واشتريت بها ثيابًا، والدكان واسع فأخذت من الثاني عشرة آلاف واشتريت بها أحذية، ولا يشغلني بيع الأحذية عن بيع الثياب، فلا حرج عليه والحال هذه.
قوله: (وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد تصرف أو خسر جبر من الربح قبل القسمة) ، فلو أنه عزل رأس المال، وعزل الربح قبل القسمة وقال: سأجعل الربح في ثياب وأجعل رأس المال في أكياس، ثم خسر رأس المال الذي في الأكياس، فإنه يجبر رأس المال من الربح الذي في الثياب.