الشرط الثاني: الآلة، وهي مثل آلة الذكاة، فلابد أن يذبحه بما يخرج معه الدم إذا قدر على الصيد وهو حي، فيذبحه بالسكين أو بحجر حاد، أو يذبحه بقصب أو عود حاد، والمراد أن يذبحه بآلةٍ حادةٍ تجرح وتقطع الجلد، ولا يذبحه بالظفر، ولا بالعظم ولا بالسن ولو كان عصفورًا كما تقدم في الذكاة.
وإذا رميت طيرًا كحمامة أو سماني أو الغرانيق البيض أو الحبارى أو الحجل أو ما أشبهها، فإنها لا تباح إذا أدركتها حية إلا بعد ذبحها بالسكين أو نحوها من الحلق، يعني: من أصل العنق أو من أصل الرأس، فإذا ذبحتها وخرج دمها وماتت بسبب الذبح حل أكلها مع الشروط الآتية.
والجارح إما أن يكون من الطيور وإما من الكلاب، فمن الطيور الصقر والبازي والشاهين والباشق، فهذه الجوارح من الطيور تقنص الصيد، وتقبل التعليم، فإذا أرسلت إلى الصيد كالحبارى أو الحمام أو الأرنب، فإنها تنزل عليه وتضربه بمخالبها، وتمزق الجلد وتمزق الريش وتقطعه، فيسقط ذلك الطائر كالحبارى ونحوه، وإذا سقط فقد يموت في حينه قبل أن يأتي إليه الصياد فيكون حلالًا إذا تمت الشروط، وقد يدركه حيًا فلابد من ذبحه بالسكين ونحوها، وفي هذه الحال يباح ما صاده بهذا الجارح.
ومن الجوارح الكلب المعلم، وكذا الفهد المعلم، فإنه يصيد الظباء لصاحبه، فإن أدركه حيًا فليذبحه، وإن أدركه ميتًا وقد جرحه الكلب فإنه حلال إذا كان قد ذكر اسم الله عند إرسال ذلك الجارح.
ما علامة كون الجارح معلمًا؟ أن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل، هذه علامات المعلم؛ لأن الله تعالى قال: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة:4] فإذا أكل فإنما أمسك لنفسه.
وقد يسمون الصقر أو الكلب باسم، فيناديه باسمه، ويرسله بكلمات يفهمها الكلب أو الفهد، فإذا أرسل استرسل، أي: ذهب مسرعًا يسعى خلف ذلك الصيد إلى أن يدركه، هذا معنى: إذا أرسل استرسل.
وإذا زجر انزجر، والزجر الكف، فإذا زجره كف وتوقف، وقد يكون الزجر التحريض، فلو قدر أن الكلب رأى أرنبًا وسار وراءها وصاحبه لم يشعر، ولما رآه زجره وزاد في سيره، وذكر اسم الله عليه، فإذا أمسك ولم يأكل فإنه يحل ما صاده حتى ولو لم يذبحه.
وقد اختلف العلماء فيما إذا قتل الصيد بثقله ولم يجرح، فإن الكلب قد يمسك الأرنب ثم يتحامل عليها ويضمها وتموت، أو يعض أضلاعها فتموت دون أن يخرج شيء من دمها ودون أن يجرحها، فيأتي صاحبه وقد ماتت، فهل تباح أم لا تباح؟ كثير من العلماء يقولون: هو حلال مما أمسك؛ لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة:4] ولأن صاحبه قد أرسله وسمى عند إرساله، فيباح أكله ولو قتله، وذهب آخرون أنه لا يباح إلا إذا أدرك حيًا أو جرحه ذلك الجارح؛ ولذلك سمي جارحًا في قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ} [المائدة:4] ، وهذا لم يجرحه، ولم يخرج دمه، فيكون ميتة أو شبيهًا بها.
وقد تكلم على هذه المسألة الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره عند هذه الآية في أول سورة المائدة: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة:4] فكأنه يميل إلى عدم الحل؛ وذلك لأنه مات حتف أنفه دون تذكية ودون جرح أو نحو ذلك، هذا الذي يظهر من كلامه، وذهب آخرون وهو المشهور إلى أنه يحل لظاهر الآية: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة:4] .