عند الإمام أحمد وأبي حنيفة أن كل ما يكال أو يوزن فإنه يلحق بالستة، وجعلوا علة الربا: الكيل والوزن، هكذا اختار الإمام أحمد.
يقول المؤلف: (في كل مكيل وموزون) فكل مكيل لا يباع إلا بجنسه مثلًا بمثل، وكل موزون لا يباع بجنسه إلا مثلًا بمثل، فالمكيلات في العهد النبوي هي الحبوب، والثمار، والسوائل، هذه كلها مكيلة، فمثلًا: التمر مكيل، والدهن مكيل يباع بالكيل، واللبن مكيل، والأرز مكيل، والقهوة مكيل، وكذا القرنفل والزنجبيل، وكذا ما ليس بمطعوم أو ما ليس بقوت مثل حب الرشاد، وما يسمى: بالحب الحار وأشباهها، هذه كلها تباع كيلًا، فعلى هذا تكون ربوية، فلا يجوز أن يباع حب الرشاد مثلًا بصاع ونصف؛ يعني: رشاد برشاد، أو الحب صاع بصاع وربع، ما يجوز إلا مثلًا بمثل، وكذلك القهوة، فلو كانت عندك قهوة رديئة وأردت أن تشتري جيدة فلا تبعها إلا مثلًا بمثل، صاعًا بصاع، وإذا أردت الجيد فإنك تبيع الرديء بالدراهم، ثم تشتري بالدراهم جيدًا مما تريد، وهكذا الهيل مثلًا يتفاوت، منه ما هو جيد ومنه ما هو رديء، فإذا أراد شخص أن يشتري جيدًا وعنده رديء، باع الرديء بالدراهم واشترى بالدراهم جيدًا، أما أن يقول: أعطني صاعًا بصاعين من هذا الرديء فلا يجوز، وهذا يدخل في الربا.
يدخل في الربا كل المكيلات قديمًا، فالدهن مثلًا كان يباع بالكيل، ولكن يرجع فيه إلى أصله، فدهن الغنم يسمى جنس، فلا يباع منه صاع بصاعين، أو صاع بصاع ونصف من دهن الغنم، والغنم سواء كان ضأنًا أو معزًا يعتبر جنسًا واحدًا، وأما دهن غنم ودهن إبل فإنه يختلف، فيجوز أن يباع صاع من دهن الغنم بصاعين من دهن الإبل؛ وذلك لأنه ليس مثله، هذا له أصل، وهذا له أصل، ولكن لابد أن يكون يدًا بيد، لابد من التقابض.
وكذلك الألبان، لبن الإبل أرخص من لبن الغنم، فيجوز أن يباع صاع من لبن الغنم بصاعين من لبن الإبل، ولكن يدًا بيد، وأما لبن غنم بلبن غنم فلابد فيه من شرطين: لابد من التماثل، ولابد من التقابض، صاعًا بصاع، وكذا الأقط، يباع أيضًا كيلًا، فلا يجوز أن يباع أقط الغنم بجنسه إلا صاعًا بصاع أو صاعين بصاعين مثلًا بمثل، ويجوز صاع من أقط الغنم بصاعين من أقط الإبل؛ وذلك لاختلاف الأصل.
وكذلك في كل المكيلات، ولو كان كيلها غير معتاد، فالبصل يباع بالكيل في الأصل، فعلى هذا لا يباع إلا صاعًا بصاع ولو اختلف المسمى، ولو كان هذا طويلًا وهذا عريضًا، فيباع صاع بصاع، ومن كان عنده رديء باعه بدراهم، واشترى جيدًا بدراهم.
هذه أمثلة للمكيل.
أما الموزون فهو الذي لا يتأتى كيله؛ مثل: اللحوم، فإنها تباع بالوزن، ولكنها أجناس، فلحم الغنم جنس، ولحم البقر جنس، ولحم الإبل جنس، ولحم السمك جنس، ولحم الطيور جنس، ومن العلماء من قال: الطيور عدة أجناس، فلحم الدجاج جنس، ولحم الحمام جنس، ولحم العصافير جنس، ولحم الحبارة جنس، ومنهم من قال: إنها كلها جنس.
فاللحوم تباع بالوزن، فلا يجوز أن يباع مثلًا كيلو لحم بقر باثنين كيلو لحم بقر، ولو كان هذا سمينًا وهذا هزيلًا؛ لأن الاسم واحد (لحم بقر) ، وكذلك لحم الغنم، ولا فرق على الصحيح بين الضأن والمعز، بل كلاهما جنس، فعلى هذا: لا يجوز أن يباع كيلو لحم باثنين كيلو لحم من الغنم، ولو كان هذا سمينًا دسمًا وهذا هزيلًا، ومن كان عنده لحم هزيل وأراد سمينًا باع الهزيل بالدراهم، واشترى بالدراهم سمينًا، فأما أن يقول: أعطني كيلو باثنين كيلو، فهذا عين الربا.
ويجوز أن يشتري مثلًا كيلو لحم غنم باثنين كيلو لحم إبل لأنه أرخص؛ وذلك لأنهما جنسان، هذا جنس وهذا جنس، واللحم الأحمر كله جنس؛ وإن كان منه لحم الظهر ولحم الفخذ ولحم العضد، وأما البواطن فإنها أجناس، فالكبد جنس، والطحال جنس، والرئة جنس، والكلية جنس، والقلب جنس، والأمعاء جنس، والكرش جنس، هذه أجناس لا تتفق، فعلى هذا يجوز أن يباع مثلًا اللسان بالقلب ولو اختلف الوزن؛ وذلك لأنها متفاوتة.
فاللحوم من الموزونات، وبعض العلماء جعلها أربعة، فقال: السمك جنس، وبهيمة الأنعام جنس، والصيد جنس، والطيور جنس، وبعضهم اعتبرها أجناسًا، وهذا هو الأقرب، فالإبل جنس، والبقر جنس، والغنم جنس، والظباء جنس، وكذلك الطيور تتفاوت، فلحم الدجاج جنس، ولحم الحبار جنس إلى آخره، إلا أن اللحوم إذا تقاربت فإنها تكون جنسًا، فالضأن والمعز جنس، والبقر والجواميس جنس، والإبل والبخاتي جنس.
هذا نوع من الموزونات وهي كثيرة، ومن الموزونات: القطن، والحديد، والنحاس، والرصاص، والصوف، والشعر وأشباه هذه، فهذه لا تباع بالكيل إنما تباع بالوزن، فلابد فيها من التماثل، فإذا باع قطنًا بقطن فلابد أن يكون كيلو بكيلو ولو اختلفت القيمة، وإذا باع صوفًا بصوف فلابد أن يكون مثلًا بمثل، وإذا باع حديدًا بحديد فيكون مثلًا بمثل، وإذا باع رصاصًا برصاص فيكون مثلًا بمثل، فهذه هي الأصناف الربوية عند الإمام أحمد.
قوله: (في كل مكيل وموزون) يخرج الذي لا يكال ولا يوزن، مثل المعدود أو المذروع، فمثل هذا ليس بربوي، فيجوز أن تبيع شاة بشاتين، وبعيرًا ببعيرين، فقد روي أن عليًا رضي الله عنه باع جملًا له يسمى عصيفيرًا بعشرين بعيرًا إلى أجل؛ وذلك لارتفاع قيمته، فيجوز فيه النساء، ويجوز فيه التفاضل، فيجوز أن يبيع عبدًا بعبدين، وفرسًا بفرسين، وشاة بشاتين؛ لأنها لا تكال ولا توزن ما دامت حية.
وكذلك ما يذرع، يجوز أن تبيع جلدًا بجلدين أو بعشرة جلود، ويجوز ثوبًا بثوبين أو بخمسة ثياب، ويجوز فيه أيضًا النساء، فيجوز أن تقول مثلًا: أبيعك هذا الثوب بثوبين جديدين تعطينيهما بعد شهر أو بعد عام، لا بأس بالمفاضلة، ولا بأس بالنساء.
ومثله أيضًا: ما يباع بالعدد، إن كانوا يبيعون الخضار بالعدد لا بالوزن، فالتفاح والبيض يباعا بالعدد، لا يوزنا ولا يكالا، فعلى هذا يجوز أن تبيع بيضتين بأربع، وأن تبيع تفاحتين بأربع، أو بطيختين بثلاث، وكذلك القرع، والباذنجان، والكوسة، والخيار، والقثاء.
وكذلك أيضًا ما يباع بالصرة كالخس والفجل وأشباهها، فهذه ليست مكيلة ولا موزونة، فيجوز التفاضل فيها، وهو واقع من الناس، يجوز أن تبيع حبة بحبتين من القرع، أو من الباذنجان، أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذا يباع بالعدد، وإذا قلت: إن التفاح الآن يباع بوزن، وكذلك البرتقال، وغيرهما من الفواكه! نقول: إن العبرة بالأصل.
وبعض الفواكه كان قديمًا يباع بالكيل، وهو ما يكون صغيرًا مثل المشمش، والخوخ، والتين، فهذه تلحق بالمكيلات فتكون ربويةً، فالناس كانوا يكيلون المشمش بالصاع، وكذلك الخوخ والتين، كما أنهم يكيلون الزبيب.
فالحاصل: أن الثياب مثلًا يجوز بيعها ثوبًا بثوبين، أو ذراعًا بذراعين، ولو من قماش واحد، ويجوز فيه النساء، أي: أن تبيع ثوبين بخمسة ثياب مؤجلة، لا بأس بالنساء فيه، ولا بأس بالتفاضل.
إذًا: اختيار الإمام أحمد أن الربا يختص بما يكال ويوزن.