الجهاد: هو قتال الكفار، ومن العلماء من يجعله مع الحدود كما فعل صاحب المغني وغيره كثير، ومنهم من يجعله مع العبادات كما في المقنع وشروحه؛ وذلك لأنه عبادة، وبعض العلماء جعلوه ركنًا من أركان الإسلام؛ وذلك لكثرة الأحاديث التي وردت في فضل الجهاد، والتي وردت في كيفيته، وفي العمل فيه، وهي كثيرة، ويدل على ذلك -أيضًا- جهاد النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يستقر في المدينة بعدما هاجر إلا وقتًا يسيرًا ثم بدأ يغزو ويهادن، ووقعت في كل سنة عدة غزوات إلى أن فتحت البلاد، ودان العباد بالإسلام.
وقد كان أولًا منهيًا عن القتال، ومأمورًا بالاقتصار على البلاغ: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ} [الشورى:48] ، {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ} [المائدة:99] ، وكذلك كان منهيًا عن بداءة أحد أو قتال أحد إلا بعد أن يبدأ، فنزل عليه في أول الأمر: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [ق:45] ، {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية:22] ، {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ} [الشورى:48] ، {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ} [المائدة:99] ، {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون:6] وأشباه ذلك.
ولما قويت معنوية المسلمين أذن لهم في الجهاد، قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج:39] فأول الأمر كانوا ممنوعين، ثم بعد ذلك أذن لهم أن يقاتلوا من بدأهم، ويكون القتال للدفاع: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة:190] .
ثم الحالة الثالثة: قتال كل الكفار في قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5] واستقر الأمر على قتال جميع المشركين حتى يسلموا.
والجهاد فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، ومعناه: أنهم مأمورون بأن يقاتلوا في سبيل الله، فإذا قامت به فرقة تكفي فإنه يسقط الإثم عن الباقين.