شركة الوجوه سميت بذلك لأنهما يشتركان في الجاه، والجاه يسمى الوجه، فإذا قال أحدهما: أنا لي جاه عند هؤلاء التجار، وأنت لك جاه عند الآخرين، فهلم أستدين من هؤلاء، وأنت تستدين من هؤلاء، ونجمع ما أخذناه ونصرفه ونسوقه، وما ربحنا فهو بيننا نقضي منه الديون، ثم نشترك بعد ذلك في الأرباح وننميها، فيسمى هذا شركة الوجوه، يشتريان في ذمتيهما بجاهيهما، والجاه هو الوجه، فإذا كان الإنسان له جاه عند الناس فوثقوا به وأعطوه بدون أن يدفع لهم الثمن، أعطوه من مالهم دينًا، أو قرضًا، أو نحو ذلك، ولابد أن تتميز هذه الشركة، ولا يدخلان فيها شيئًا ليس منها، فإن أدخلا فيها كسبًا نادرًا فإنها تبطل، وذلك لأنها مبنية على المساواة، فلو قدر أن أحدهما استدان مبلغ خمسين ألفًا، والثاني حصل على عشرة آلاف فصارت ستين ألفًا، فجمعاها وتصرفا فيها بالبيع والشراء والتنمية، سواءٌ في تجارة، أو في حرث، أو في بناء أو ما أشبه ذلك والربح بينهما، وذلك لأن كلًا منهما جاء بما يقدر عليه، واستدان وبذل وجهه عند التجار وعند الأثرياء، وحصل على ما حصل عليه، ولو تفاوتا، لكن لو اتفقا على أن من أتى بالأكثر فله ربح أكثر جاز ذلك كما في رأس المال، فلو قال: أنا أتيت بخمسين ألفًا وأنت أتيت بعشرة فيكون لي -مثلًا- ثلثا الربح ولك الثلث ففي هذه الحال يجوز، فالمسلمون على شروطهم، وكذلك أيضًا لو تفاوتا في العمل، لو أن أحدهما يشتغل النهار كله، والآخر يشتغل خمس ساعات من الليل جاز أن يتفاوتا في الربح، فيقول: بصفتي أكثر منك عملًا فلي ثلثا الربح ولك الثلث.
فهذا يجوز إذا اتفقا عليه، ولو كان أحدهما أذكى من الآخر وأعرف بتسويق السلع وأعرف بالتجار وبتصريف المال واشترط لنفسه أكثر فالمسلمون على شروطهم.
يقول المؤلف: [وكل وكيل الآخر وكفيله بالثمن] .
فأصحاب الديون يطالبون هذا ويطالبون هذا، وذلك لأنهما اجتمعا في هذا المال، جمعاه في دكان واحد أو في مستودع واحد، فصاحب الخمسين الألف يطالبهما معًا، فيطالب صاحب العشرة فيقول: في شركتكما هذه لي دين، استدنتما مني خمسين ألفًا، أعطني لأنك أحد الشريكين.
وكذلك صاحب العشرة يطالب الآخر، ولو أنه ليس هو الذي اقترض منه، فكل منهما وكيل عن الآخر، كما أنهما يتصرفان بالوكالة، فإذا غاب أحدهما ينفذ تصرف الآخر في هذا الملك، فإذا باع -مثلًا- هذا الكيس فبيعه صحيح، نصفه له ملكًا ونصفه لشريكه، وشريكه قد وكله، فينفذ تصرفه فيه كله بحكم الملك في نصيبه وبحكم الوكالة في نصيب شريكه، وإذا أوفى أحدهما دينًا عن الآخر فإنه تبرأ ذمة الموفي ويسلم، وليس له أن يطالب الآخر، ويقول: أنت الذي اقترضت أو استدنت مني.