تقبل شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال غالبًا من أمور النساء الخفية، وإنما يطلع عليها النساء، مثل العيوب الخفية التي تحت الثياب، فإذا شهد النساء مثلًا أنها بكر أو أنها ثيب فهذا لا يطلع عليه الرجال، أو أن فيها عيبًا كعفل أو قرن أو فتق وغيرها مما يذكر من عيوب النساء التي ترد بها في النكاح، وتقدم في كتاب النكاح ذكر العيوب كالرتق والعفل والقرن ونحو ذلك، فهذه لا يطلع عليها إلا النساء، فإذا شهدت امرأة ثقة بمثل هذا فإنه يقبل.
وكذلك الرضاع، فهذا أيضًا لا يطلع عليه الرجال، ودليله: قصة عقبة بن عامر لما تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: إني قد أرضعت عقبة والذي تزوج بها، فأنكر ذلك عقبة وقال: أنا ما أعرف ذلك، فعند ذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (كيف وقد قيل؟ خلها عنك) ففارقها عقبة وتزوجت غيره، فهذا دليل على أنها تقبل شهادة المرأة الواحدة في الرضاع؛ لأنه لا يعرف إلا من قبلها.
وكذلك الشهادة في الاستهلال، وفسر الاستهلال بالصياح، فإن الولد إذا خرج من بطن أمه واستهل -أي: صاح- يكون حيًا وإن لم يصح يكون ميتًا؛ وذلك لأنه إذا خرج حيًا واستهل وصرخ دل ذلك على أنه حي فيورث، وإذا ولد ميتًا فلا يورث، فإذا قالت المرأة الواحدة: أشهد أنه استهل، يعني: صاح عندما ولد، قبلت شهادتها وحدها.
وكذلك الجروح الخفية في المرأة، إذا قالت امرأة: اطلعت على جرح في هذه المرأة تحت الثياب، وقد يكون هذا في الحمامات، فهناك حمامات خاصة للنساء في بعض البلاد الباردة، وحمامات أخرى للرجال يغتسلون فيها، والغالب في ذلك الزمان أنها تكون مظلمة، لم يكن هناك كهرباء، ولا يستخدمون فيها السرج؛ وذلك لأنها ليس لها منافذ، فالنساء قد يقع بينهن في الحمام شيء من المشاجرات والمخاصمات والضرب ونحو ذلك، فإذا شهدت امرأة واحدة أنها رأت جرحًا في هذه المرأة تحت الثوب، وأنه بسبب فلانة قبلت شهادتها.
يقول: وكذلك الجراحات التي في العرس، فإذا كان النساء في حفل زواج، فقد يحصل بينهن شيء من الاختلاف ومن المضاربة في ذلك الحفل، فتحصل جراحات وما أشبه ذلك، فإذا شهدت بذلك امرأة واحدة عدل موثوقة قبلت شهادتها، وكذلك بطريق الأولى الرجل.