الفصل الذي بعده يتعلق بالنذر، وتوسع في النذر أكثر من غيره، والنذر هو أن يلزم الإنسان نفسه ما ليس بواجب في أصل الشرع، كأن يقول مثلًا: لله علي أن أصوم في هذا الشهر خمسة أيام، فهذا يسمى نذرًا.
وأما إذا قال: لله علي أن أصلي في هذا اليوم خمس صلوات ظهرًا وعصرًا ومغربًا وعشاء وفجرًا، فلا يسمى هذا نذرًا؛ لأن الله قد أوجبها ولم يوجبها الإنسان على نفسه، فالنذر هو الذي يوجبه الإنسان على نفسه، فمثلًا إذا قال: والله لأخرجن زكاتي هذا العام فلا يسمى هذا نذرًا؛ لأن زكاته واجبة عليه، أما إذا قال: والله لأتصدقن في هذا الشهر بألف من غير الزكاة، فهذا نذر؛ لأنه زائد عن الزكاة.
النذر مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال: (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) ، يعني: أن النذر لا يغير شيئًا من الحقائق، ولا يغير شيئًا من قدر الله، خلافًا لما يعتقده بعض العامة من أن النذر يصير سببًا في إجابة الدعاء، أو سببًا في شفاء المريض، أو سببًا في كثرة الرزق، أو سببًا في حصول الخير؛ فيعقد نذورًا، فيقول مثلًا: لله علي إن نجحت في الاختبار أن أتصدق بمائة، ويظن أن الله لا ينجحه إلا إذا تصدق.
أو يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أذبح شاة وأن أتصدق بلحمها، ويظن أن الله لا يشفي مريضه إلا إذا نذر أن يتصدق، أو يقول مثلًا: لله عليَّ إن ربحت في هذه التجارة أن أتصدق بنصف الربح، ويظن أن الله لا يربح تجارته إلا إذا كان سيتصدق، وهذا خطأ؛ لأن الله تعالى قدر المقادير، وإذا أردت أن تتصدق بنصف الربح أو بربعه أو أن تذبح هذه الشاة فافعل ذلك من دون أن تلزم نفسك، ومن دون أن تعلق بهذا الأمر المستقبل، فإنه لا يأتي بخير، ولا يقدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل، كأن هذا البخيل لم يكن ليتصدق إلا إذا نجح أو إذا ربح أو إذا شفي أو ما أشبه ذلك.