فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 511

ولأن الفطر تخفيف، والسفر معصية؛ فلا يجوز أن يكون سببًا للتخفيف [1] .

ولأن الفطر معونة على السفر، وهذا السفر معصية؛ فلا يجوز أن يعان عليه.

قالوا: ما أباح الفطر لم يؤثر فيه المعصية؛ كما لو شرب دواء فأمرضه.

قلنا: القتال يبيح ترك أركان الصلاة، ثم تؤثر المعصية فيه، وزوال العقل يسقط المؤاخذة في الأقوال والأفعال، ثم تؤثر المعصية فيه. ثم المُبيح في الأصل هو المرض، وذلك ليس بمعصية، وإنما المعصية في الشرب، وهاهنا المبيح هو السفر، وهو معصية؛ فلا يوجب التخفيف، يبينه أنه يصح التوبة [2] من المعصية مع بقاء المرض، ولا تصح التوبة من المعصية مع بقاء السفر، ويجوز أن ينهى عن السفر، ولا يجوز أن ينهى عن المرض.

قالوا: مسح؛ فلا تمنع المعصية منه؛ كالتيمم، والمسح على الخف في السفر، والحضر يومًا وليلة [3] ، والمسح على خف مغصوب [4] .

قلنا: التيمم فرض وعزيمة [5] ، وليس برخصة [6] ، والمعصية لا تسقط الفرض، وإنما الرخصة إسقاط الفرض به،

(1) ينظر: الحاوي (2/ 485) .

(2) التوبة في اللغة: الرجوع. وفي الشرع: ندم على معصيته من حيث هي معصية مع عزمه ألا يعود إليها.

(نشر الطوالع، ص(363، 364 ) ) .

(3) ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة، فمن بعدهم إلى توقيت المسح على الخفين بما ورد في الحديث وهو: سُئِلَتْ عائشة عن المسح على الخفين، فقالت: ائتِّ عليًَّا فإنه أعلم مني بذلك، فأتيته، فسألته، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثًا. وهو قول ابن مسعود، وابن عباس، وإليه ذهب من التابعين عطاء وشريح وغيرهما، وبه قال الأوزاعي، وابن المبارك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق.

(شرح السنة(1/ 332 ) ) .

(4) من شرط المسح على الخف: ألا يكون لابسه عاصيًا باللبس لذاته، فلو كان محرمًا بحج أو عمرة، ولبس الخف لم يصح له المسح؛ لأن معصيته به من حيث اللبس ذاته لا غير؛ إذ المحرم منهي عن اللبس من حيث هو لبس، وهذا الشرط لم أجد فيه خلافًا لأحد، وقد قطع القليوبي بعدم صحة المسح، متى كان اللبس حرامًا لذاته، وعبارته: (نعم، الحرام لذاته كمحرم لبس خفًّا لغير عذر لا يصح المسح عليه قطعًا) . وقيل: يشترط في الملبوس أن يكون حلالًا؛ فلا يجزئ المسح على خف مغصوب ومسروق مطلقًا. ولأن المسح رخصة، وهي لا تناط بالمعاصي. وقال الجمهور: لا يشترط ذلك؛ فيصح المسح عليه قياسًا على الوضوء بماء مغصوب، والصلاة في مكان مغصوب؛ فإن ذلك كله صحيح، وإن عصي بنفس الفعل، ولم يمنع من عصى بآلتها من الترخيص؛ فكذا الخف. (م. خ المسح على الخفين. ل:(87) ، المجموع (1/ 510، 511) ، مغني المحتاج (1/ 109، 110 ) ) .

(5) العزيمة في اللغة: القصد المؤكد، ومنه قولهم: عزمت على فعل كذا، أي: قصدت إليه قصدًا مؤكدًا.

واصطلاحًا: هي الحكم الثابت على وفق الدليل، أو على خلاف الدليل لغير عذر.

وقد اختار بعض الأصوليين القول بأن العزيمة تتناول الأحكام الخمسة: أولًا: الإيجاب، كالصيام والحج. ثانيًا: الندب، كندب ركعتين بعد صلاة المغرب. ثالثًا: التحريم، كتحريم السرقة، والزنى. رابعًا: الكراهة، كالصلاة في مرابض الإبل. خامسًا: الإباحة، كإباحة الأكل والشرب. (البحر المحيط(1/ 325 ) ) .

(6) اختلف العلماء هل التيمم رخصة أو عزيمة؟

فقال بعضهم: إن التيمم عزيمة مطلقًا، سواء كان لفقد الماء حسًّا أو شرعًا؛ وبهذا جزم الشيخ أبو حامد. ... =

=وقيل: إنه رخصة مطلقًا، سواء كان الفقد حسيًّا أو شرعيًّا؛ لتحقق مفهوم الرخصة فيه.

وأورد عليه إن كان رخصة، والرخص لا تناط بالمعاصي، فكيف يصح التيمم بالتراب المغصوب؟ فأجيب عنه بأن معنى قولهم: الرخص لا تناط بالمعاصي، أنه لا يجوز سببها معصية. والتراب ليس سبب التيمم، والسبب فقد الماء.

لكن يشكل على هذا الجواب صحة تيمم العاصي بسفره على أصح الوجهين من أنه يصح وتجب عليه الإعادة.

وقد يقال: إن تيممه حينئذٍ عزيمة لا رخصة؛ لأنها لا يكون سببها معصية؛ ولذا قال الشرقاوي: (هو رخصة على المعتمد غالبًا) . ويمكن أن يقال: الحق أن التيمم رخصة يجامعها الوجوب، ولا تنافي بينهما؛ لأن الوجوب فيها لموافقة السهولة لغرض النفس. (م. خ أحكام التيمم. ل:(30 - 33 ) ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت