فهرس الكتاب
وقد قال الرازي: ((
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحشه من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبالُ
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} وأقرأ في النفي {ليس كمثله شيء} ، {ولا يحيطون به علما} ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي ))
وقال الآخر الشهرستاني:
لقد تأملت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالمِ
فلم أرى إلا واضعًا كف حائر ... على ذقنٍ أوقارعًا سن نادمٍ
ومن الأدلة الدالة على نقض مذاهب أهل القدر في هذا العقل.
العقل الذي خلقه الله لنا، والناس يتفاضلون بتفاضل وتكامل عقولهم، فمن لا عقل له لا قيمة له، صفاء العقل ينتج منه قوة العلم، الثبات في مواطن الحق، القوة، والإقدام، الشجاعة، التمييز.
وهذا هو المراد، التمييز بين الحق والباطل.
ولا يعني هذا تقديس العقل كما تصنعه المعتزلة والأشاعرة، حيث يقدمونه على النقل مَعَاذ الله، فالنقل مقدمٌ على العقل، ولكن العقل هو الذي يميِّز بين الحق وبين الباطل، فمن كان عقله سليمًا كان صفاء الحق أظهر له من غيره، وكان إداراكه للحق أكثر من إدراك غيره، وفهمه أعمق من فهم غيره.
فالعقل نميِّز به بين الحق وبين الباطل، فمن أتاه الله عقلًا عَلِمَ من خلاله فساد مذاهب أهل القدر، وعَلِمَ تناقضهم.
فكونهم يقولون بأن الخير من الله دون الشر هذا فاسد بالنقل والعقل وكونهم يقولون بأن العبد يخلق فعل نفسه هذا باطل عقلًا وشرعًا.
وقد كان أئمة السلف يسمون القدرية مجوس هذه الأمة، وقد وردت في ذلك أحاديث مرفوعة إلى رسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا يصح من المرفوع شيء، وجاءت موقوفة على جمع من الصحابة، تقدم بيانها والحديث عنها.