فهرس الكتاب
وأتباع الإمام أحمد يقولون بأن الإمام أحمد من أعلم الناس بالحديث وبعلله، جمع الله له بين الفقه والحديث ويحفظ من الأحاديث ما لا يحفظه هؤلاء الأئمة.
وهذه التعللات لا تفيد فقد يكون الحق مع أحمد وقد يكون الحق مع الشافعي وقد يكون مع مالك وقد يكون الحق مع أبي حنيفة.
فحين تنظر في مسألة مس المرأة فنحن نعلم أن الأئمة الأربعة مختلفون في هذه القضية فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى بأن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا سواء كان بشهوة أو بغير شهوة.
بينما قال الإمام الشافعي بأن مس المرأة ينقض الوضوء مطلقًا بشهوة وبدون شهوة.
بينما قال الإمام مالك إن مس بشهوة انتقض وضوءه وإلا فلا ينتقض الوضوء وعن أحمد رحمه الله تعالى روايات ثلاث توافق مذهب كل واحد من هؤلاء الأئمة والصواب في هذه القضية مع أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وحين نأخذ بهذه القضية في مذهب أبي حنيفة لا يمنع في المسألة الأخرى أن نأخذ بالقول الراجح الذي قد يوافق مذهب أحمد كقضية نقض الوضوء من أكل لحم الجزور فنأخذ في هذه القضية في مذهب أحمد، وإن كنا لا ننتسب لمذهب معين ولا نتعصَّب لمذهب معين، فندور مع الحق حيثما دار، وكون الإنسان يعيش في بلد يغلب عليه التمذهب لا يعني هذا بأنه ينتسب إليهم أو أنه يقلد، فنحن لا ننتسب لمذهب ولا نتعصب لمذهبٍ على آخر، إنما ندور مع الحق حيثما دار على حسب القدرة وعلى حسب الاجتهاد وعلى حسب البحث في النصوص.
فكما أنه لو قام رجلٌ الآن وأراد أن يجمع أقوال أبي بكر وينشئ مذهبًا لقام عليه الكثير وأنكروا عليه وهو أبو بكر، ولو أن رجلًا الآن جمع أقوال علي - رضي الله عنه - وحشدها ونظَّر عليها واستخرج الأوجه منها وجعل هذا مذهبًا أتصور أن الناس يقولون عنه رافضي أو يقولون عنه بأنه شيعي وهو علي - رضي الله عنه - بالعلم والقدر والجلالة فكيف حينئذٍ نسوِّغ للناس أو نأمر الناس بتِّباع هذه المذاهب وإلزام الناس بها، والذي لا يتبعها قد نعتبره ضالًا أو جاهلًا أو مشوشًا أو غير ذلك من الأعذار.
العامي صحيح أنه ليس له مذهب، مذهبه مذهب مفتيه، لكن طالب العلم الذي توفرت فيه آلة الاجتهاد والقدرة على استخلاص المسائل من مظَّانها، وعنده حفظ أكبر قدر ممكن من الأحاديث ومعرفة بالفقه وأصوله ومعرفة باللغة وتوابعها فهذا يجتهد ولا يقلِّد أحدًا، وإن انتسب لبعض المذاهب فلا يقلدهم.