والشبهة الثانية من ظن أن التأويل هو النفى فنفى عن البارى - سبحانه وتعالى - السمع والبصر إلخ. فطريق أهل السنة والجماعة محصور بين من أثبت بالشروط التي ذكرناها - وهم من قال عنهم الإمام البنا فإن كنت ممن أسعده الله بطمأنينة الإيمان .."وبين من أوّل بالشروط التي ذكرنا وهم من قال عنهم الإمام البنا أنهم لا يجب الحكم عليهم بكفر ولا فسوق. بعد هذا الذي سقناه لك لنبين مطابقة ما قاله الإمام البنا مع ما قاله علماء السلف في هذه القضية إلا أن من الغريب حقًا أن ترى بعض المسلمين يتركون كل ما قاله موضحًا رأيه ويتمسكون بكلمة قالها في معرض كلامه في هذه القضية حين قال"ونحن نعتقد أن رأى السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعانى إلى الله تبارك وتعالى أسلم وأولى بالاتباع"فإذا بهم تارة يرمون الإمام البنا بالتفويض وأنه أشعرى علمًا بأنهم ينسون أن الأشعرى كان إمام أهل السنة والجماعة في زمانه وتارة يرمونه بأنه جهمى والجهمية من المبتدعة الذين نفوا الصفات تمامًا والإمام البنا منهم برئ."
والحقيقة التي نريد أن نؤكد عليها أن الإمام البنا - رضي الله عنه - لم يكن غرضه أن يكون مدرس عقيدة أو مدرس فقه ولكن كان كل همه أن يدعو إلى الإسلام ويربى عليه رجال والذي يقرأ ما كتبه يجد اهتمامه وتركيزه في غرس العقيدة وتربية جيل عليها وحين تكلم عن معانى الإسلام كان دائمًا يشير إلى منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غرس هذه العقيدة ونحى منحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تربية الرجال عليها ودائمًا كان يركز على أثرها في تربية الرجال، هذا هو الذي اهتم به ولم يخض لا في المصطلحات الفلسفية ولا في التعبيرات الكلامية ولا كان يميل إلى الدخول في هذه المساجلات التي لا تسمن ولا تغنى من جوع ولكن كان منهجه في تقديم العقيدة هو منهج القرآن والسنة المطهرة يقول الإمام البنا: لم ألجأ إلى المصطلحات الفنية التي تواضع عليها العلماء المختصون بعلم الكلام ولا النظريات الفلسفية ولا الأساليب المتعمقة التي درج عليها المتكلمون ولكن سألجأ إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة وما عرفناه من سيرة الصدر الأول. ولو أننا نظرنا إلى منهج القرآن في عرض الأسماء والصفات بعيد عن هذا الجدل الذي يعيش فيه الناس لو أننا قرأنا آيات تثبت صفات لله - سبحانه وتعالى - وقدرته القادرة كما يقول القرآن فمثلًا (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي