فهرس الكتاب

الصفحة 475 من 545

إن ما ينعم به البشر من نعم مادية وروحية إنما يرجع إلى سموّ العقيدة وصفائها وقدسيّتها، فبها فتح الله قلوب العباد قبل البلاد، وعم الخير وانتشرت الدعوة في مشارق الأرض ومغاربها: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96] ، ولكن للأسف حين خالط العقيدة أفكار البشر وضعفت في ذاتها وأصبحت مجرد أفكار ومجموعة آراء لا تمثل الاعتقاد الحق ولا تصل إلى أعماق النفس، ولا توجه التوجيه النافع في الحياة، ولا تعين على السلوك النظيف الذي يمثل الرشد الإنساني، والرقي الروحي، حدث ما قاله القرآن: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] ، وكما أخبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» ، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ» ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» (1) .

وجاء التقدم العلمي في كل ناحية من مناحي الحياة، وكان تأثيره على العقول التي بعدت عن التفكير السليم، والقلوب التي خوت من الإيمان بالغا، فأصيبت العقيدة بهزّة عنيفة، وأزمة حادة.

وحاول المخلصون أن يردوا الآبقين إلى الرشد، ولكن العلم المادي مضى في طريقه يحقق للناس الرفاهية المادية، ويوفر لهم الرخاء، ويستخرج قوى الكون وما أودع فيه من خيرات، إلا أنه عجز ولم يستطع أن يوفر للناس الأمن والسلام، ولا المودّة والمحبة، ولا الرحمة والحنان، ولا التعاون والإيثار، ولا تهذيب النفس وتقويم الخلق، فكان أن أصيبت الإنسانية بنكسة خطيرة من جراء سعة العقل وضيق القلب، وأنّى لهم هذه الأمور التي تسكن القلب ولا تتحقق إلا بالإيمان: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت