الذي ينهاه عن كل ضار، فصار محتاجاً إلى معلم آخر ينصر العقل على الهوى، ووازع يكبح من جماح الشهوة ليكون على هدى.
فما يمكن للإنسان أن يصل إليه بنفسه لا يطالب الأنبياء ببيانه، ومطالبتهم به جهل بوظيفتهم وإهمال للمواهب والقوى التي وهبه الله إياها ليصل بها إلى ذلك، وكذلك لا يطالبون بما يستحيل على البشر الوصول إليه كقول بعض بني إسرائيل لموسى: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] ، وأما ما كان إدراكه ممكناً وكسبه بالحس والعقل متعذراً أو تحديده متعسراً فهو الذي نحتاج فيه إلى هادٍ مخبر عن الله تعالى لنأخذ عنه بالإيمان والتسليم؛ ولذلك قلنا: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عقل الأمة.
لو كان من وظيفة النبي أن يبين العلوم الطبيعية والفلكية لكان يجب أن تعطل مواهب الحس والعقل وينزع الاستقلال من الإنسان ويلزم بأن يلتقي كل فرد من أفراده ومعلوماته بالتسليم، ولوجب أن يكون عدد الرسل في كل أمة كافياً لتعليم أفرادها في كل زمن كل ما يحتاجون إليه من أمور معاشهم ومعادهم، وإن شئت فقل لوجب ألا يكون الإنسان هذا النوع الذي نعرفه.
نعم إن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ينبهون الناس بالإجمال إلى استعمال حواسهم وعقولهم في كل ما يزيد منافعهم ومعارفهم التي ترتقي بها نفوسهم، ولكن مع وصلها بالتنبيه على ما يقوي الإيمان ويزيد في العبرة.
ونستطيع بعد ذلك أن نلخص موقف القرآن من العلوم الكونية العصرية وغير العصرية مما سبقها أو مما سيلحقها، أو موقف هذه العلوم من القرآن الكريم في هذه النقاط:
1 -ليست مهمة القرآن شرح بحوث هذه العلوم تفصيلياً، وإنما ترك ذلك للعقل الإنساني يكشف في كل طور من أطوار رقيه وكماله جزءًا منه يتناسب مع مقدرته وما أتيح له من وسائل البحث والإدراك السليم.