ألم تر كيف بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بناء المجتمع المسلم في المدينة فأقام المسجد لغرس الإيمان وآخى بين المسلمين لتقوى العلائق بالحب (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) وبهذا الحب الذي يسود مجتمع المؤمنين الصالحين تتكون الجماعة المسلمة المتآلفة المتحابة (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) وتتوثق عرى المحبة التي لا تنفصم لأنها من الله (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) فإذا بهم صفًا واحدًا تنعدم فيه الانشقاقات وتقل فيه الخلافات لأنهم يقولون (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فاهدنا يا رب صراط الصالحين (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) فهم معًا في الدنيا في صلاح وتقوى ومحبة وهم في الآخرة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
يقول ربنا - عز وجل - (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) فتدبر هذه الآية الكريمة تجد الصالحين هم صناعة الله وهم الذين عناهم المولى - سبحانه وتعالى - في قوله (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) وبهذا الحب تتكون جماعة المسلمين المتحابة وهم الذين أحبوا لله وأبغضوا لله وأخذوا لله وتركوا لله قلوبهم صافية وعيونهم باكية وأيديهم حانية وأرجلهم ساعية وأعمالهم خالصة يبيت أحدهم وليس في صدره شيء لأحد وبهذه الصفات أقاموا بناء الدولة ووطدوا أركان الدعوة ومن أجل ذلك كانت أولى خطوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مدينته بعد الهجرة بناء المسجد ليحقق قوة الإيمان والمؤاخاة ليحقق قوة الحب ذلك الرباط المتين وهذا الحصن الحصين الذي لا يستطيع عدو أن يخترقه فقد يخترق أعداء الإسلام الصفوف فيحتلوا البلاد بقوتهم الغاشمة