قومًا حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (1) .
ومن هنا نستطيع أن نفهم السر في إجابة القرآن الكريم للسائلين عن أوجه القمر فصرفهم عن السؤال ولفت أنظارهم إلى فوائد ذلك ومزاياه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] .
3 -إن القرآن الكريم لو عرض لبيان هذه الشئون كلها واستوعب حقائقها وتفصيلاتهم لصعب على الناس حفظه ولمضت الأزمان الطويلة دون استيعابه نزولاً أو معرفة، ولنسي الناس هديه وإرشاده، فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضاً، ولقد يسره الله تعالى وسهله ليكون ذلك أدعى إلى تذكره وأقرب للوصول إلى مقاصده والعمل بما فيه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 17] .
تلك هي بعض الحكم التي من أجلها يتناول القرآن الكريم حقائق العلوم الكونية بالتفصيل والتوضيح وترك ذلك للعقل البشري يرقى إليه ببحثه المتواصل ويتذوق لذة معرفته بكفاحه وجهاده، وهناك حكم أخرى لا نطيل القول فيها والكلام في أسرار كتاب الله ذو سعة.
ومن ذلك نستطيع أن نقول: إن القرآن الكريم جاء بهذه الظواهر واستعرضها وعرضها على الناس في كثير من المواضع لغرض واحد هو العبرة والعظة، ولفت العقل والقلب إلى ما فيها من جمال وروعة وإعجاز وإبداع لا يكون إلا من صانع حكيم متصف بالكمالات كلها، لا يلحقه ولا يناله قصور، جل ربنا عن ذلك وتعالى علواً كبيراً، يسوق القرآن كل ذلك ليكون سبيلاً إلى معرفة الخالق والإيمان بالله، وفي الوقت الذي يقصد فيه إلى هذا المعنى نجد أن في ذكر هذه المخلوقات ولفت الأنظار
(1) ذكره الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن مسعود، ورواه الديلمي من طريق حماد بن خالد عن ابن عباس، ورواه البيهقي في (الشعب) عن المقدام بن معدي كرب مرفوعاً. انظر (كشف الخفاء ومزيل الإلباس) للإمام العجلوني، حرف الهمزة مع الميم.