هكذا منهج القرآن في عرض هذه العقيدة يجمع بين القلب والعقل كما يجمع بين الإيمان والعمل.
إن مبنى أمر الحديث في هذه المواضع وغيرها هو على المؤمنين لا على مفهوم الإيمان المجرد فلم يقل ربنا مثلًا"إنما الإيمان وجل القلب وذكر الله إلخ"إنما جرى على ما جرى عليه لحكمة جليلة وعبرة سامية - والله أعلم بمراده - أن الحكيم الخبير يعلمنا أن الإيمان لا يصلح ولا ينبغى له أن يكون مجرد اعتبار كونه مفهومًا نظريًا يتصوره الذهن دون أن يكون له حظ من التطبيق أو صدق في السلوك العملى ينزل على أرض الواقع وبذلك يصح مفهوم الإيمان على وجهه المرضى المستقيم بأن يكون ترجمة صادقة لسلوك المؤمنين في القول والعمل وهذا يدعو كل مؤمن ألا يركن نفسه أو ينخدع قلبه بمجرد صوت خافت لداعى الإيمان يختلج في ضميره وأيضًا ليس مجرد كلمة أو اصطلاح يلوكه لسانه ثم لا يلبث أن تموت حروفها على شفتيه بل يتطلب مصداق ذلك سلوك حياته العملية مع ربه ونفسه ومجتمعه والكون كله (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ)
من أجل ذلك رأينا الحديث عن المؤمنين وليس على الإيمان المجرد أو بعبارة أخرى عن الإيمان بوصفه متحققًا في الأفراد المنعوتين به"المؤمنين"وباسم مخصوص هو"الذين"وصفوا بهذه الصفات النبيلة"أولئك هم"المؤمنون حقًا - وهذا هو منهج القرآن في عرض العقيدة.
وسار على هذا الدرب ابن القيم إذ يقول:"إن للا إله إلا الله قلب وقالب قالب أو جسد هو ما نعلمه وما نتعلمه حول الربوبية والألوهية وسماه بعلم القالب، وكذلك قلب أو روح تحرك هذا الجسد فتبعث فيه الحياة سماه عمل القلب ثم قال: إن علم"