إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا [الأحزاب: 22 - 23] ، لذلك قال ربنا: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] .
فللعقل مجاله الذي يعمل فيه فإن تعداه اعتدى وضل ولا يهتدي سبيلاً. فما هو مجال العقل؟
أولاً: له أن يعارض مفهوما عقليًا بشريًا للنص بمفهوم عقلي بشري آخر له، فلا حرج عليه في هذا ولا حجر ما دامت هناك أصوله الصحيحة مجال للتأويل والأفهام المتعددة، مثلما يحدث بين العلماء من اجتهاد في الأمور الظنية.
ثانيًا: أن يتدبر دلائل الهدى وموجبات الإيمان في الأنفس والآفاق.
ثالثاً: محاولة فهم النصوص القرآنية والاقتناع بها ليسلم تسليمًا كاملاً
ويخضع لأوامر الله ويلتزم بها؛ لأن الأحكام القطعية ليس للعقل مجال للاجتهاد
فيها، فالإسلام يخاطب العقل ويكل إليه فهم مدلولات النصوص التي تحمل
مقرراته، ولا يفرض عليه أن يؤمن بما لا يفهم مدلوله ولا يدركه، فإذا وصل إلى مرحلة إدراك المدلولات وفهم المقررات لم يعد أمامه إلا التسليم وإلا كان العقاب الذي ينتظره (1) .
اهتم الإسلام بتربية العقل تربية تتفق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها ويحوطه بسياج من العناية والرعاية؛ لأنه مناط التكليف وعليه المعول في فهم الشريعة وتطبيقها. وإذا ما اختل العقل سقطت التكاليف عن صاحبه - جملة - وقد يفقد خصائصه التي فيه، فهو حينئذ إلى الأنعام أقرب!
(1) الاجتهاد في الشريعة الإسلامية وبحوث أخرى للدكتور عبد الرحمن عميرة ص 278 بتصرف.