فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 545

بين الدين والفكر أو العلم كمثل ما عرفت أوربا من نزاع طويل مرير بين العلماء وبين رجال الكنيسة، وشتان بين هذا ومنهج القرآن الذي يصادق العلم والفكر ولا يعاديهما، فلا تجد حكماً في الإسلام يشل حركه العقل أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم.

ليس في طاقة العقل أن ينشئ تصورًا واقعياً شاملاً للكون والحياة والإنسان وأن يحيط بالخالق ويدرك - وحده - أسماءه الحسني وصفاته المثلى، وأن تكون له الكلمة في نشأة الحياة ومصيرها.

فلابد للعقل أن يعرف حدوده ويحدد وظيفته حتى تستقيم الحياة وينجو الفكر الإنساني من التيه والضلال، فليس يضر العقل أن يعجز عن إدراك مما ليس في طاقته، إنما يضره أن يضنيه العناء والجهد في غير ما خلق له، ولا يملك أداة البحث فيه. والعقل في الإسلام له دوره في قضية الإيمان ومنهج الحياة ونظامها ولقد حدد الإسلام له دوره ووضح له القواعد لذلك. فمن ذلك أنه يتلقى عن الرسالة ووظيفته أن يفهم ما يتلقاه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومهمة الرسول أن يبلغ ويبين، وينبه العقل إلى تدبر دلائل الهدى وموجبات الإيمان في الأنفس والآفاق، وأن يرسم له منهج التلقي الصحيح وليس دوره أن يكون حاكماً على الدين ومقرراته من حيث الصحة والبطلان والقبول والرفض، بعد أن يتأكد من صحة صدورها عن الله، ولكنه ملزم بقبول مقررات الدين متى بلغت إليه عن طريق صحيح، ومتى فهم عقله المقصود بها والمراد منها، فرسالة الإسلام تخاطب العقل بمعنى أنها توقظه وتوجهه وتقيم له منهج النظر الصحيح، لا بمعني أنه هو الذي يحكم بصحتها أو بطلانها، وبقبولها أو رفضها متي ثبت النص كان هو الحكم وكان على العقل البشرى أن يقبله ويطيعه وينفذه سواء كان مدلوله مألوفاً أو غريباً عليه، وأكبر دليل على هذا هو عجز العقل عن إدراك حكمة الله البالغة في كثير من الأمور مما جاء في القصص القرآني من مواقف تدل على التسليم المطلق لأمر الله دون عرضها على العقل لتستفتيه طالما أنها تخالف منطوق العقل كما حدث مع نوح وهو يصنع الفلك بأمر الله في أرض صحراوية لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت