البصيرة، مشلول الإدراك. كما قال - عزّ وجلّ -: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} [الرعد: 19] ، فليس هناك أبداً تضارب أو صدام بين آيات الله - سبحانه وتعالى - المقروءة وآياته المنظورة واستحالة أن يكون هناك تضارب: {ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] ، بل هناك انسجام في هذا الكون الذي يسجد لله - سبحانه وتعالى - ويهتز من الشرك {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا. أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا. وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا. إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88 - 95] ، هكذا يقف العقل المسلم عند حدوده؛ لأنه مجال يفكر فيه فإن خرج عن مجاله تحطم فهو كالكوكب والنجم في السماء له محور ومدار إن حاول أن يخرج عنه سقط من عليائه، كذلك العقل المسلم حُدد له إطار ومدار يدور فيه: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفلا تُبْصِرُونَ، وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ} [الذاريات: 21 - 22] ، فهو يفكر في ذاته وفي نفسه وفي خلقه لكي يستشعر قدرة الله - سبحانه وتعالى - عليه.
«إن هذا التحرر للعقل هو الذي يفتح المدارك، ويثير الفكر، ويحمل على الاستزادة من العلوم والمعارف، ويفصل فصلاً حاسماً بين الحقائق والأوهام. ذلك أن الإنسان إنما يفكر ويتقدم في مضمار العلم بالعمل العقلي، فإذا تعطل العقل، انحسرت المعرفة، وضمر العلم؛ لهذا فإن الإسلام يعقد أوثق الأواصر بين الإيمان والفكر، والإيمان والمعرفة والإيمان والتقدم في الميدان العلمي، حين يدعو الإنسان إلى النظر والتأمل والتدبر في خلق السماوات والأرض ويحثه على التفكير في عالم النفس» (1) وفي آفاق الكون، ويرى أن خير عظة توجه إلى الإنسان هو أن يفكر تفكيراً سليماً وينظر نظراً صحيحاً في آيات الله في الأنفس والآفاق.
ومن أجل ذلك لا يتصور في ظل منهج الإسلام أي ضرب من ضروب النزاع
(1) لمحات في الثقافة الإسلامية، لعمر عودة الخطيب، ص 222.