فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 545

بصائر في جانب العقيدة(1)

أول ما عني القرآن في مكة عني ببناء العقيدة وتصحيحها، فعمل على تثبيت العقيدة الصحيحة وترسيخها قبل أن يعمل على بيان الأحكام الشرعية وتوضيح الأمور الفرعية.

وفي هذا تقول السيدة عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - وهي تتحدث عن نزول القرآن الكريم:"إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ نَزَلَ الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لاَ تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لاَ تَزْنُوا، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا" (2) .

ومن هنا، فإن المعول على العقيدة ليس علمها فحسب، بل هو عملها؛ لأنه الوازع أو الباعث الداخلي الذي يزعه عن الخطأ بعد تعرّفه على خالقه، وهو الوازع الداخلي الذي يمنعه من الوقوع في المعاصي والآثام، فلا بد أن نفرق بين مقام الدعوة والتعليم، وهذا أمر مطلوب، ولكن الأهم هو مقام الفهم والتطبيق، إذ إن العقيدة أساس العمل.

والعبرة في فقه الداعي في معالجة أمور العقيدة مشاكل عصره وزمانه، فلا ينفصل عن الواقع الذي يعيشه، وإلا، أصبح في وادٍ، والمدعوّون في وادٍ آخر.

فحين نشأ اتجاه تقديم العقل على النقل عند بعض المسلمين في العصور الأولى، كان همّ العلماء والمصلحين في تلك العصور مركّزًا على معالجة هذا الأمر، ودحض الشبهات المؤدّية إليه أكثر من تركيزهم على مسائل عقيدة أخرى، ويوم ظهر موضوع المحنة (بالقول بخلق القرآن) ، انصرف العلماء إلى معالجته ورد شبهاته، وجعلوه أولوية لازمة في عصرهم، وتحمّلوا ما تحمّلوه من أجله.

وهكذا فعل العلماء والمصلحون يوم برز اتجاه الإرجاء والتعطيل وما إلى ذلك من اتجاهات عقدية فاسدة، فأنزلوا موضوع التصدي لها ومناقشتها المَنْزِلة الأولى من اهتماماتهم، وقدموا تلك المسائل على غيرها من المسائل العقدية الهامة الأخرى.

(1) تعقبه من بصائر دعوية، للدكتور محمد أبو الفتح البيانوني، ص 11.

(2) رواه البخاري، باب تأليف القرآن، حديث رقم [4993] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت