عرفوا أن أساتذتهم قد أعلنوا العجز واعترفوا بالقصور، وطامنوا من غرورهم وخفضوا من حدة تعصبهم لما لا يعلمون، والله الهادي إلى سواء السبيل.
لقد أتى على الناس زمان توالت فيه الكشوف العلمية المادية ولمس الناس آثارها العملية في مجرى حياتهم الدنيا، وظن علماء الكون أنهم وصلوا إلى لب الحقائق، وابتكروا من النظريات والقواعد ما يستطيعون بها تفسير كل المظاهر الكونية، وأعلن كثير منهم في ذلك الوقت تبرمه بالأديان وأهلها والعقائد ومعتقديها، وطغت موجة من الإلحاد على العقول والأفكار، ثم لم تلبث هذه الموجة أن انحسرت أمام ما تجلى لهؤلاء العلماء أنفسهم من عظمة الكون، وأمام ما انكشف لهم من النواميس التي هدمت ما اطمأنوا إليه من قبل وما اعتقدوا أنه الحق فطامنوا من غرورهم واعترفوا بقصورهم وأعلنوا هذا العجز التام، وواصلوا بحوثهم في تواضع وأدب.
ذلك أمر طبيعي؛ فإن هذا العقل السائح في ملكوت الله لا يستطيع أن يكشفه جملة ولا أن يصل إلى مكنوناته طفرة، فهو لابد أن يبلغ المدة التي كتبها الله له باحثاً منقباً، ولابد أن يصل إلى الحقائق متدرجاً، ولابد أن يخطئ مرة ويصيب أخرى فيتلقى عن الخطأ درساً، ويكشف بالصواب حقيقة وهكذا دواليك، على أن العقل مهما بلغ من الكمال فهو لم يصل بعد إلى حقيقة شيء من الأشياء، إنما كل ما ظفر به بعض العوارض والصفات التي تنفع الناس، أما حقائق البسائط المجردة فهو لم يصل إلى شيء منها بعد، وأغلب الظن أن ذلك ليس من شأنه ولا مما يعنيه وإنما سر الخلق الذي استأثر الله بعلمه.
وإليك بعض أقوال علماء الكون في ذلك نستفتحها بقول الأستاذ الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد في هذا المقام: «إذا قدرنا عقل البشر قدره وجدنا غاية ما ينتهي إليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التي تقع تحت الإدراك الإنساني حساً كان أو وجداناً أو تعقلاً، ثم التوصل بذلك إلى معرفة مناشئها وتحصيل كليات لأنواعها والإحاطة ببعض القواعد، لعروض ما يعرض لها، وأما الوصول إلى كنه حقيقته فمما لا تبلغه قوته؛ لأن اكتناه المركبات إنما هو باكتناه ما