اغتر آدم عليه السلام بهذا الكلام وبدأت الفطرة يصيبها شيء يجعلها تنزع بعيدًا عن الصواب (فَأَكَلَا مِنْهَا) فابتعدت عن هذا الإحساس الرباني وأمر الله - سبحانه وتعالى - بالرغم من تحذير المولى له وأمره بأن لا يقرب الشجرة بعينها وقال (وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) ولما شعر آدم - عليه السلام - بخطئه قال: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وهذه القصة بينت لنا طبيعة النفس الإنسانية التى قال عنها ربنا: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) فالفلاح دائمًا في تزكية هذه النفس لأنها كالبذرة تحتاج إلى رعاية وعناية وإلا فسدت وطغت وأهلكت صاحبها.
أما النداء الثاني نداء الشريعة وهي أوامر الله - سبحانه وتعالى - التي تتنزل على الرسل ويبلغونها لأقوامهم وهم في نفس الوقت نماذج في طاعة الله - سبحانه وتعالى - طاعة مطلقة والجدير بالذكر أن الرسالات السماوية في بدايتها كانت تشريعات محددة وكان الناس ينزعون بفطرهم إلى صواب الأعمال لأن هذه الفطر لم تكن قد لُوثت من قبل ومن هنا انتشرت الأعراف بين الناس وفى هذه الفترة لم يكتمل الأمر بعد فكان الناس يتحاكمون إلى القدر المنزل وفى نفس الوقت يرجعون في أحكامهم إلى العادات والتقاليد والأعراف التى تحكم سيرهم.
قبل أن نتعرف على المعنى الفقهي والشرعي للعرف يجدر بنا أن نذكر أهم الفروق الأساسية بين الشرائع الوضعية والسماوية فهناك شرائع وضعية وضعها البشر تحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وفيما ينظم حياتهم كما أن هناك شرائع سماوية نزلت من عند الله وحيًا وهي الحاسمة في سلوك الناس ويجب الرجوع إليها والاحتكام بها ولذا يجدر بنا أن نشير إلى هذه الشرائع الأرضية والوضعية، ونتعرف عليها، ونعلم كيف تكوّنت: