فوقف أحد التلاميذ الأذكياء وقال: أترون عقل الأستاذ؟ قالوا: لا. قال: فعقل الأستاذ إذن غير موجود.
ولذلك فإن العقل لابد أن يقوده الوحي ويوجهه الوجهة الصحيحة ويبصره بالطريق ويهديه السبيل حتى لا يضل؛ ولذا كان ضمن منهج التربية الإسلامية تربية العقل لتكون مخرجاته إسلامية.
اهتم الدين الإسلامي بالعقل - كما قلنا - اهتماماً بالغاً ويكفي أن تكريم الله للإنسان بدأ بتكريم عقله {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [البقرة: 31] ، وهذه الأسماء للأشياء كلها يفكر فيها العقل كيف يستخدمها لكي يسخرها في عمارة هذا الكون بمنهج الله، «فهو دين عملي لا يعرف الكهانة ولا يتوسط فيه السدنة والأحبار بين المخلوق والخالق، ولا يفرض على الإنسان قربانًا يسعى به إلى المحراب بشفاعة من ولي متسلط أو صاحب قداسة مطاع، فلا ترجمان بين الله وبين عباده يملك التحريم والتحليل أو يقضي بالثواب والعقاب، ودين هذا شأنه لن يتجه فيه الخطاب بداهة إلى غير الإنسان العاقل» (1) .
ولذلك خلق الله الإنسان وأمده بإمكانات تؤهله للسيادة على الأرض بهذه العقيدة الصافية التي يشيد بها نظاماً ربانياً يحقق للبشرية سعادتها في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة، ومن هذه الإمكانات: العقل الذي يهدي الإنسان في مسالك الحياة، فإذا بالإيمان يملأ قلبه فيدفعه إلى ارتياد هذه المسالك فيسعى ليسخر ما في الكون لرسالته فيسيطر على البر والبحر، ويحصل رزقه من الطيبات مما في الأرض: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70] ، ويبين لنا ربنا - سبحانه وتعالى - عجز الإنسان بالرغم من عقله الذي يفكر به فيضرب الأمثال له: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ
(1) الاجتهاد في الشريعة الإسلامية أطراف من بحث التربية الإسلامية وأثرها في المجتمع للدكتور عبد الرحمن عميرة ص 276.