يصلي عابد ولا يدعو إنسان أو يتصل بخالقه أو يفارق الدنيا إلا على يد كاهن أو قديس كما ادعو.
فأين هذا من قول ربنا: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] ، وقوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] .
ومن ثم ثار القرآن ثوره عارمة على الشرك والكهانة والوساطة، فقضى على جميع مظاهر العبودية لغير الله، وحرر العقول وطالبها بالتفكير والتدبر، وأشاع فيها اليقظة والنور وجعل الصلة مباشرة بين العبد وخالقه لا تحتاج إلى وساطة ولا كهانة - كما بينا.
لقد كانت الرسالات السابقة تعتمد على المعجزات الحسية التي تراها العين لترغم الناس على التصديق والإيمان، فجاء القرآن بمنهج جديد يتفق مع ما أراد للبشرية من اكتمال ورشد. منهج العقل الذي لا يعتمد على قسر أو معجزة، طليق من كل قيد أو إكراه؛ ولذلك فإن العقل في الإسلام لا يذكر إلا في مقام التعظيم والتنبيه وإلى وجوب العمل به والرجوع إليه، وفي القرآن آيات كثيرة تحث المؤمن على تحكيم عقله أو يلام فيها على إهماله عقله وقبول الحجر عليه. يقول الله تعالى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لايَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 146] وفي المقابل يقول تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] .
ولقد حمل القرآن على الغافلين الذين يعطلون عقولهم ويغلقون على أنفسهم منافذ المعرفة والنور، وهبط بهم دون مستوى الأنعام: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا (1) لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ
(1) ذرأنا: خلقنا.