ويعمد الإسلام أولاً إلى تفريغ العقل من كل المعتقدات والتصورات التي لا تتفق ومنهجه سواء أكانت:
تصورات عن الألوهية، أو تصورات عن طبيعة الكون، أو معتقدات عن الخلق والحياة، تلك المعتقدات الفاسدة والتصورات الضالة التي تردت البشرية فيها ردحًا من الزمن ولا زالت تتردى فيها إلى الآن والتي لم تقم على يقين، وإنما قامت على مجرد الظن والتقليد: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 43] .
ولذلك بدأ الإسلام برحلة طويلة مع العقل الإنساني للكشف عن هذه الانحرافات، وأخذ في نقضها واحدة تلو الأخرى، فتعرَّف الإنسان على خالقه الذي ليس كمثله شيء والذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، والذي إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، فعرفه بصفاته وأسمائه وقدرته: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] .
وتعرَّف على نفسه: مَن هو ومن أي شيء خلق وما رسالته في الوجود؟ وما المصير الذي ينتظره: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 12 - 16] ، ويقول إبراهيم - عليه السلام - عن ربه: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [الشعراء: 78 - 81] ، كما دعاه إلى النظر في الكون والحياة بمنهج فيه التفكر والتدبر وإعمال العقل ليزداد إيماناً مع إيمانه.
بعد أن كانت العقول أسيرة الأوهام والخرافات محصورة في حيز الأرض لا تحلق