ولا ترتفع، حبيسة العقائد الفاسدة، أطلقها القرآن الكريم من أسرها وأخرجها من محبسها وضيقها ودعاها إلى النظر وإعمال العقل وساح بها من المنشأ إلى المصير، وطاف بها على بدائع صنع الله في السماء والأرض، وجعل لها الكون محراباً للتفكر والتدبر والاعتبار، ودعاها إلى تتبع يد القدرة ورؤيتها وراء كل شيء.
«فأنت تقرأ كتاب الله المنظور في هذا الكون وتتأمل صفحاته استجابة لأمر الله بالتفكر في خلقه، وهذا أسلوب من أساليب القرآن الفريد في إرساء العقيدة وتعميقها ومعرفة للأدلة الحية المتحركة التي توصلك إلى اليقين وتنأى بك عن التقليد؛ إذ إن الناس في قوة العقيدة أقسام كثيرة بحسب وضوح الأدلة وتمكنها من نفوس كل قسم، فمنهم من تلقاها يقينًا واعتقدها عادة، وهذا لا يؤمَن عليه من أن يتشكك إذا عرضت له الشبهات، ومنهم من نظر وفكر فازداد إيمانه وقوي يقينه وثبت فؤاده» (1) : {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [محمد: 17] .
ولذلك دعانا القرآن للتأمل في هذا الكون لنتعرف على الله كوسيلة من وسائل تربية العقل وأسلوب من أساليب إرساء العقيدة ومعرفة الأدلة الحية المتحركة في هذا الكون الذي نعيش فيه؛ ولذلك دعانا المولى - سبحانه وتعالى - للتأمل والتدبر فقال: {اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ، وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 3 - 4] .
وتأمل وحدانية الخالق وأنت تقرأ كتاب الله المنظور فترى تطابقه مع كتاب الله المقروء: قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ. أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن
(1) رسالة العقائد للإمام البنا ص 379 من مجموعة الرسائل.