قوله: {كلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] .
ولما كانت العقيدة - الإيمان - محلها القلب، فإن معاصي القلوب أخطر بكثير من معاصي الجوارح فالأولى تؤدي إلى الكفر وأما الأخرى فتؤدي إلى الصغائر أو الكبائر فليسوا سواءً.
إن القلب السليم هو المحور الفذ للقبول، والله وحده يعلم أين يكون، وكان علماؤنا الأوائل موفقين عندما قسموا المعاصي إلى معاصي القلوب ومعاصي الجوارح أو بتعبير معاصر: معاصي بدنية ومعاصي نفسية.
فالمعاصي البدنية - الجوارح - شهوات محدودة الخطر على قبحها وسوء مغبتها، أما معاصي القلوب أو الرذائل النفسية فهي تسيطر على أصحابها فلا يعرفون منها متابًا، وتأمل موقف إبليس بعد ما عصى الأمر بالسجود، لقد مضى في تحد يقول لله أهذا آدم الذي فضلته علي؟ {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ على لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 62] .
«فقسوة القلوب وعماها لعنة إلهيه على رءوس الناقضين للمواثيق المارقين من التقوي، اللاعبين بالإيمان: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ... } [المائدة: 13] ، فهم بهذا السلوك والاعتقاد الفاسد قساة القلوب لا يعرفون تواضعها» (1) .
فمعاصي القلوب أخطر من معاصي الجوارح، ولا نستطيع أن نساوي بين أكل آدم من الشجرة المحرمة وهي معصية مع تكبر إبليس على الله فشتان بين الاثنين.
فتقوى القلوب في الحقيقة هي التي تقود تقوى الجوارح كما قال المولى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] ، وقال: لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا ولا
(1) دستور الوحدة الثقافية، للشيخ محمد الغزالي، ص 189، بتصرف.